أحكام القانون التجاري في الفقه الإباضي أحمد أبو الوفا [دارس عن الإباضية]

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢٧١

الباب الأول: المبادئ الحاكمة للقانون التجاري في الفقه الإباضي

271

فأتى ذات مرة كعادته الأولى، فلما باع ما حمل من البضائع، واستوفى الثمن رجع راجلاً، فبات في شعاب المرخ على قارعة الطريق.

فمر عليه أعرابي، وهو نائم، فأخذ الكيس الذي وضع فيه الدراهم من تحت رأسه، وهو لم

يشعر به.

ومضى ذلك الأعرابي إلى عرعر، فأيقظ من يقص الأثر، وشاطره الدراهم، وقال له: «إن قيل لك: قص أثر الفاعل موّه الكلام، وقل لهم بعد ما تقص، تداوست الأقدام على بعضها بعضا، ووقعت خفاف الحيوان وحوافرها على بعضها بعضا، فما وجدت للفاعل

أثرًا.

فأجابه بعد ساعة طويلة على ذلك.

فلما أصبح الصباح التمس الرجل اليمني الكيس الذي وضع فيه الدراهم، فلم يره، فجعل

يلطم وجهه، ويضرب صدره بيده، ويصيح. إلى الرستاق أخبر الإمام بما جرى عليه.

فلما

رجع

فقال الإمام علي بالقاص.

فلما أتي به إليه قال له:

قص الأثر، وائتني بالفاعل.

فمضى

ثم رجع إلى الإمام في اليوم الثاني، فقال له:

رأيت أقدامًا متداوسة على بعضها بعضا، وأخفافًا وحوافر وقع بعضها على بعض، فاشتبه عليّ

الأمر، وما وجدت للفاعل أثرًا من كثرة التداوس.

فأمر الإمام بحبسه حيثما سرق الرجل اليمني وألا يعطي ماء ولا زادًا.

ففعل به كما أمر الإمام. فمر عليه رجل من أصحاب الإمام، ورآه في حال مشرف على الهلاك. فأسرع السير إلى الأمام، وأخبره عن حال قصاص الأثر، وتشفع فيه. فأمره الإمام أن يأتي به إليه.

فلما أتى به قال الإمام: لا فكاك لك مني قبل أن تأتيني بالفاعل.

فأخذ مهلة منه شهرًا، فأعطاه الإمام ما طلبه من المدة. فمضى القاص يتتبع أثر صاحبه حتى انتهى إلى بلدة ودام، فبحث عنه. فقال له بعض أهل ودام:

لقد أقبل إلينا رجل أعرابي، من أهل الظاهرة من أيام يسيرة، وبيده كيس لا أعلم ما فيه، ثم

باع ناقته على بعض أصحابنا، واستكرى سفينة صغيرة إلى مكران.

فاستكرى القاص سفينة إليها.