الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٩٦=
296
أحكام القانون التجاري في الفقه الإباضي
فإذا تضمن ظلم الناس وإكراههم بغير حق على البيع بثمن لا يرضونه أو منعهم ما أباح الله لهم، فهو حرام، وإذا تضمن العدل بين الناس، مثل إكراههم على ما يجب عليهم من المعاوضة بثمن المثل، ومنعهم مما يحرم عليهم من أخذ الزيادة على عوض المثل، فهو جائز، بل واجب.
فأما القسم الأول: فمثل ما روى أنس قال: «غلا السعر، على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله، لو سعرت لنا؟ فقال: إن الله هو القابض الرازق، الباسط المسعر، وإني لأرجو أن ألقي الله ولا يطلبني أحد بمظلمة ظلمتها إياه في دم ولا مال» … فإذا كان الناس يبيعون سلعهم على الوجه المعروف من غير ظلم منهم، وقد ارتفع السعر ـ إما لقلة الشيء، وإما لكثرة الخلق - فهذا إلى الله، فإلزام الناس أن يبيعوا بقيمة بعينها، إكراه بغير حق.
(1) يقول الإمام الصنعاني: والحديث دليل على أن التسعير مظلمة وإذا كان مظلمة فهو محرم (الإمام الصنعاني سبل السلام المرجع السابق، ج 2، ص 497).
وبخصوص نفس الحديث قيل: فهذا رسول الله لا يرضى بالتسعير، ويشير إلى أنه ظلم لما فيه من جبر الناس على بيع أموالهم بما لا يرضون به والله لم يبح أكل أموال الناس إلا إذا كانت تجارة عن تراض ولكن طائفة من التابعين كسعيد بن المسيب وربيعة بن عبد الرحمن ويحيى بن سعيد الأنصاري أفتوا بجوازه كما نقله أبو الوليد الباجي عنهم في شرح الموطأ: فما الذي استندوا إليه والحديث صريح لا لبس فيه؟ هل ورد حديث آخر يبيح التسعير؟ لا، ولكنها المصلحة ودفعه الضرر عن الناس كما قال الباجي موجهًا هذا الجواز: «إنه نظر لمصالح الناس ومنع للإفساد عليهم وليس فيه جبر للباعة على البيع حتى يكون منافيًا للملك، ولكنه منع من البيع بغير هذا السعر على حسب ما رآه الإمام من المصلحة فيه للبائع والمبتاع، ولا يمنع البائع ربحًا ولا يسوغ له منه ما يضر الناس». ا. هـ نظر هؤلاء إلى النهي معللاً بعدم ما يقتضيه ومجرد غلاء السعر الذي حدث لا يوجبه في زمنهم يحوج إليه أفتوا به ولا يظن أن هذه الفتوى نسخت الحديث، بل الحديث باق بحكمه إلا أنه لما أصبح العمل به مفوّتًا للمصلحة في هذه الحالة ترك لذلك حتى إذا جاء وقت لا حاجة فيه إلى التسعير رجعنا إلى العمل بالحديث؛ ولو كان نسخًا لما جاز الرجوع إلى حكم منسوخ بالإجماع. ومن تأمل لفظ الحديث بروايتيه لم يجد فيه أن التسعير حرام لا تصريحًا ولا تلويحا، بل غاية ما فيه تفويض الأمر الله لأنه القابض الباسط، وأمر لهم بالدعاء كي يرفع الله
فلما جد
عنهم
ما نزل ولم يكن ثمة غير غلاء السعر، والغلاء كما يكون من تحكم أصحاب السلع
بهم، و