أحكام القانون التجاري في الفقه الإباضي أحمد أبو الوفا [دارس عن الإباضية]

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ١٥٥

الباب الثالث: الأعمال التجارية في الفقه الإباضي

155

ويري خير الدين أن تقاعس المسلمين عن مجاراة ما يحدث حواليهم من تطورات، ولو كانت قادمة ممن يخالفوهم في الديانة، من شأنه تأخر الدولة الإسلامية، وحدوث الشين والخلل في العمران وفي السياسة». إذ أن كل ما هو

ويزيد خير الدين ذلك، بقوله:

«لما أشار سلمان الفارس

لا

على رسول الله صلى الله عليه وسلم، بأن عادة الفرس أن يطوقوا مدنهم بخندق حين يحاصرهم العدو إتقاء من هجومه عليهم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم برأيه وحفر خندقا للمدينة في غزوة الأحزاب، عمل فيه بنفسه ترغيبا للمسلمين، وقال سيدنا علي كرم الله وجهه: لا تنظر إلى من قال وانظر إلى ما قال، وإذا ساغ للسلف الصالح أخذ مثل المنطق من غير أهل ملتهم، وترجمته من لغة اليونان لما رأوه من الآلات النافعة، حتى قال الغزالي: من معرف رفة له بالمنطق لا يوثق بعلمه. فأي مانع لنا اليوم من أخذ بعض المعارف التي نرى أنفسنا محتاجين إليها غاية الاحتياج في دفع المكائد وجلب الفوائد»؟ وفي «سنن المهتدين للعلامة الشيخ المواق المالكي ما نصه: «أن ما نهينا عنه من أعمال ما كان على خلاف مقتضى شرعنا، أما ما فعلوه على وفق الندب أو الإيجاب أو الإباحة، فإنا لا نتركه لأجل تعاطيهم إياه، لأن الشرع لم ينه عن التشبه بمن يفعل ما أذن الله فيه». وفي حاشية الدر المختار للعلامة الشيخ محمد بن عابدين الحنفي ما نصه: «أن صورة المشابهة فيما تعلق به صلاح العباد لا تضر نفس المرجع، ص 111 - 112).

غيرنا هو

(1) يقول خير الدين «على أنا إذا تأملنا في حالة هؤلاء المنكرين لما يستحسن من أعمال الإفرنج، نجدهم يمتنعون من مجاراتهم فيما ينفع من التنظيمات ونتائجها، ولا يمتنعون منها فيما يضرهم. وذلك أنا نراهم يتنافسون في الملابس وأثاث المساكن ونحوها من الضروريات، وكذا الأسلحة وسائر اللوازم الحربية، والحال أن ذلك من أعمال الإفرنج ولا يخفى ما يلحق الأمة بذلك من

مثلاً،

جميع

من

الشين والخلل في العمران وفي السياسة. أما الشين، فالاحتياج للغير في غالب الضروريات الدال على تأخر الأمة في المعارف. وأما خلل العمران، فبعدم انتفاع صناع البلاد باصطناع نتائجها، الذي هو أصل مهم من أصول المكاسب، ومصداق ذلك ما نشاهده أن صاحب الغنم منا، ومستولد الحرير، وزارع القطن، يقتحم تعب ذلك سنة كاملة، ما ويبيع ينتجه عمله للإفرنجي بثمن يسير، ثم يشتريه منه بعد اصطناعه في مدة يسيرة بأضعاف ما باعه به. وبالجملة، فليس لنا الآن من نتائج أرضنا إلا قيمة مواردها المجردة، دون التطويرات العملية التي هي منشأ الرغبات منا ومن غيرنا، ثم إذا نظرنا إلى مجموع ما يخرج من المملكة وقايسناه بما يدخلها فإن وجدناهما متقاربين خف الضرر، وأما إذا زادت قيمة الداخل على قيمة الخارج، فحينئذ يتوقع الخراب لا محالة.