الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٣٦٦366
أحكام القانون التجاري في الفقه الإباضي
أولهما: قد تعود إليه مساهمات غيره فتكون لصالحه وقد يكون العكس، وهذا ضرب من الميسر الذي حرّمه الله بنص القرآن إذ الميسر ما هو إلا أن يدفع الناس مبلغا من المال كل منهم يسعى أن يربح مما دفع أضعافه، فإما أن يعود بالأضعاف، وإما أن ينقلب بخسرانه رأس المال.
ثانيهما: أن صفقة التأمين صفقة
هي
بيع مال بجنسه، إذ المؤمن يدفع عملة
نقدية لشركة التأمين وعندما يأتي التعويض يكون كذلك عملة نقدية، ومن المعلوم أن بيع الشيء بجنسه نسيئة ربا ـ ولو لم يكن تفاضل بينهما ولا جهالة، فكيف مع التفاضل والجهالة بالثمن والمثمن؟ إذ لا يدري أحد مقدار ما يدفعه على مر السنين ولا مقدار ما يُدفع إليه.
وبجانب كل ما تقدم، فإن شركات التأمين تنمي حصيلة هذه المساهمات بالاتجار بها، ومن المعلوم أنها لا تتقيد في تجارتها بقيود الأحكام الشرعية، فلا يؤمن أن تتجر بالخمور والبغاء والربا وسائر المحرمات، لعدم انضباط تعاملها بضوابط الشرع، وريع كل ذلك يعود مع الأصل إلى الذين تعوضهم الشركة، والمسلم يحتاط لدينه ويتقي الشبهات فضلاً عن المحرمات.
على أنه جاء في كتاب الله التحذير الشديد من أخذ مال الغير بغير حق، فقد قال رحل: (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَلَكُم بَيْنَكُم بِالْبَطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 188]، وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَراضِ مِّنكُمْ وَلَا نَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عدوانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: 29، 30]، وقد أثيرت مسألة التأمين سابقا بإحدى دورات مجمع الفقه الإسلامي بمدينة جدة، فكان رأي الشيخ الزرقا شاذا ما بين آراء سائر العلماء، وكان قرار المجمع مخالفًا لرأيه والله أعلم.