الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٤٥٥الباب الثالث: الأعمال التجارية في الفقه الإباضي
455
تاسعًا - رهن ما في الذمة جائز عند بعض من الفقه الإسلامي (ولعل ذلك
يسري على ما ليس قابلاً للقبض كالأسهم والسندات والديون).
يقول الإمام القرطبي:
مقبوض
خلافا لمن
ذلك؛
منع
«ورهن ما في الذمة جائز عند علمائنا؛ لأنه ومثاله رجلان تعاملا لأحدهما على الآخر دين فرهنه دينه الذي عليه. قال ابن خويز منداد: وكل عرض جاز بيعه جاز، رهنه ولهذه العلة جوزنا رهن ما في الذمة؛ لأن بيعه جائز، ولأنه مال تقع الوثيقة به فجاز أن يكون رهنا، قياسا على
في الدين عند حلول أجله إذا أبى المدين الوفاء، أو عجز عنه وأبى الدائن أن ينتظر. فكانت الناحية المالية لهذا متغلبة في هذا الحق، ولذا أخذ حكم المال في انتقاله إلى وارث المتوفي بالموت، لم يخالف في ذلك أحد من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، وخالفهم جميعًا أبو محمد علي بن حزم فذهب إلى أن هذا الحق شخصي ينتهي بوفاة كل من الراهن أو المرتهن، وقال في كتابه المحلي ما نصه: فإن مات الراهن أو المرتهن بطل الرهن، ووجب رد الرهن إلى الراهن أو إلى ورثته وحل الدين المؤجل، ولا يكون المرتهن أولى بثمن الرهن من سائر الغرماء حينئذ، وذلك لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم تَرْجعُكُمْ فَيُنَتِكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [الأنعام: 164]. فإذا مات المرتهن فإنما كان حق الرهن له لا لورثته ولا لغرمائه ولا لأهل وصيته. وإنما تورث الأموال لا الحقوق التي ليست أموالاً، كالأمانات والوكالات، والوصايا وغير ذلك فإن سقط حق المرتهن معه مع ورثته وقد سقط ملك الراهن عن الرهن بموته، وانتقل ملكه إلى ورثته أو إلى غرمائه أحد غرمائه أو إلى أهل وصيته، ولا عقد للمرتهن معهم، ولا يجوز عقد الميت على
لا
وهو
غيره. اهـ.
والواقع
أن هذا الرأي ليس بوجيه لأن ثبوت حق حبس الرهن للمرتهن إنما كان بناء على عقد تم بينه وبين الراهن، وذلك لا يستلزم أن يكون ذلك الحق شخصيا، فإن كثيرًا من الأموال والحقوق المالية تنشأ عن العقود فلا يغير ذلك من حقائقها المالية ولا يتنافى مع ماليتها، فإذا تم الرهن تعلق حق المرتهن بالعين، المرهونة، فإذا مات مالكها انتقلت ملكيتها إلى ورثته وهي متحملة ذلك الحق الثابت، ولا يقبل بحال أن تكون وفاة إنسان سببًا في سقوط حقوق ثابتة لغيره، ولذا كان الصواب ما ذهب إليه الجمهور من جريان الميراث في ذلك الحق» الشيخ علي الخفيف الحق والذمة وتأثير الموت فيهما وبحوث أخرى، دار الفكر العربي، القاهرة، 1431 - 2010، ص 189 ـ 190.
: