الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٥١٠01.
في ذهاب العلم وطالبيه، وانقلاب الأحوال بأهليه، وزهادة أهل الوقت
كان العلم في الزمن الأول مطلوبًا ومرغوبًا فيه، ومحبوبا تشد إليه الرحال ويشترى بالأموال، ويحتمل فيه شقة الأحوال وصعوبة الأهوال، ويسمو به متحملوه ويصلون به أهليه، ويوقر عليه منتحلوه، وَكُلٌّ يعظمهم تبجيلًا، ويقدمهم تفضيلا؛ هذا إذ الناس ناس، والدين قوي وَالْحَقُّ جلي، والعلم أرفع شيء. فَلَمَّا ذهب الأفاضل وضعف الدين، ودجَى الْحَقِّ وهوى نجم العلم ونحس جده، وكبا زنده، وأفل سعده. صار العلم جهلًا /104/ والتعليم وَبَالًا، وَالْحَق ضلالا، والتصحيح محالًا، والرياسة للأسافل والتقدم للأراذل والسيادة للجهلاء، والبلادة للفضلاء، والعلم مهجور، والأدب محقور، والمال مطلوب، وصاحبه محبوب، وبلسانه متكلم، ولمكانه متقدم. فهل تجد في وقتك هذا عالمًا إلا وهو مستحقر ذليل، أو جاهل إلا وهو موقر جليل؟! فيا لها حسرة كدرت الحسرات، وفكرة أدرت العبرات!!
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كَأَنِّي بِالسُّفَهَاءِ يَسْتَهْزِئُونَ مِنَ يَسْتَهْزِئُونَ مِنَ العُلَماءِ، وَكَأَنِّي بِالخَطَايَا قَد كَثرت بَينَكُم حَتَّى تَعرِفُوا أَهْلَهَا كَما يُعرفُ اللَّيلُ من النهارِ، فَعندَ ذَلكَ يَظْهَرُ الفُحْشُ والزِّنَا كُلُّ ذَلكَ فِي النَّارِ» (1). صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم قد
(1) لم نجد من أخرجه بهذا اللفظ.