الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٥باب 1: ما يجوز من الصفات حقيقة ومجازا
15
فصل: [معنى أنَّ الله تعالى نور]
ويقال: إنَّ الله نور على ما قال الله تعالى (1) واستعمله المسلمون، وإنَّما قال ذلك توشعًا ومجازا، وإرادته هادي أهل السماوات والأرض ومبين لهم، فقال تعالى: إنَّه نور السماوات والأرض مجازا، إذ كان به يهتدي أهل السماوات والأرض في دينهم ومصالحهم كما يهتدون بالنور والضياء؛ لأنَّ النور المعقول المستحق لهذا الاسم حقيقةً إنَّما هو الضياء المشاهد من نحو ضوء الشمس والقمر وما أشبه ذلك. فلما لم يجز أن يكون الله تعالى ضوءا ولا من جنس الضوء والأنوار، إذ كان الضوء والأنوار محدثة، والله تعالى لا يشبهه شيء من أجناس المخلوقات صح أنه إنما قال: إنَّه نور السماوات والأرض مجازا لا حقيقةً.
وعلى هذا السبيل قال: إن القرآن نور (2)، وإن الإيمان نور (3)، وأراد بذلك أن القرآن يهتدي به الناس في دينهم كما يهتدون بالنور الذي هو ضياء لمصالحهم، وكذلك الإيمان، فقال تعالى: إنَّهما نور على التوسع دون الحقيقة؛ لأنَّ القرآن والإيمان هما مخالفان للأنوار والضياء في الجنس، فإنَّما أجرى عليهما اسم الأنوار والضياء توشعًا ومجازا على
ما بيناه.
(1) قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ … ﴾ (النور: 35). (2) في نحو قوله تعالى: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًاً مُّبِينًا} (النساء: (174)، وقوله: (مَا كُنتَ تَدْرِى مَا الْكِتَبُ وَلَا الْإِيمَن وَلَكِن جَعَلْنَهُ نُورًا نَهْدِى بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا} (الشورى (52)، وقوله: {فَتَامِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ
وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا) (التغابن (8).
(3) في نحو قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَتِ﴾ (البقرة: 257).