الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢٨٥"بحمقائها"، واعتقد أنه أراد هبنقة، وهبنقة رجل، والرجل لا يُقال له حمقاء، بل يُقَل له أحمق، وأبو نواس إنما أراد دُغة، وهي امرأة، فالغلط حينئذ من المبرد، لا من أبي نواس، فلما كان بعد ليال قلائل، من وقوفي على هذه الفائدة، رأيت في المنام، كأني بمدينة حلب، بمدرسة القاضي بهاء الدين المعروف بابن شداد، وفيها كان اشتغالي بالعلم، وكأننا قد صليتا الظهر، في الموضع الذي جرت العادة بالصلاة فيه جماعة، فلما فرغنا من الصلاة، قمت لأخرج، فرأيت في آخر الموضع شخصاً واقفاً يصلي، فقال لي بعض الحاضرين: هذا أبو العباس المبرد، فجئت إليه، وقعدت، أنتظر فراغه، فلما فرغ، سلمت عليه، وقلت له: أنا في هذا الزمان أطالع في كتاب "الكامل"، فقال لي: رأيت كتابي "الروضة؟ فقلت: لا، وما كنت رأيته قبل ذلك، فقال: قم حتى أريك إياه، فقمت معه حتى صعد بي إلى بيته، فدخلنا إليه ورأيت فيه كتباً كثيرة، فقعد قدامها يفتش عليه، وقعدت أنا ناحية عنه، فأخرج منه ودفعه إليّ، ففتحته، وتركته في حجري، ثم قلت له: قد أخذوا عليك فيه، فقال: أي شيء أخذوا علي؟ فقلت أنك نسبت أبا نواس إلى الغلط في البيت الفلاني، وأنشدته إياه، فقال: وكيف هذا؟ فعرفته ما قاله صاحب "العقد" فعض على رأس سبابته، وبقي ساهياً ينظر إلي، وهو في صورة خجلان، ولم يعلق، ثم استيقظت من منامي، وهو على تلك الحالة، ولم أذكر هذا المنام إلا لغرابته، وكانت ولادة المبرد يوم عبد الأضحى سنة عشر ومائتين وتوفي ليلة الاثنين لليلتين بقيتا من ذي الحجة، وقيل: من ذي القعدة سنة ست وثمانين ومائتين، وقيل: خمس وثمانين ومائتين ببغداد، ودفن في مقابر باب الكوفة، في دار اشتريت له، وصلّى عليه أبو محمد يوسف بن يعقوب القاضي (1)، رحمه الله تعالى، ولما مات، نظم فيه وفي ثعلب أبو
مجلداً،
(1)
محمد بن يوسف (243 - 320 هـ / 857 - 932 م): محمد بن يوسف بن يعقوب الأزدي بالولاء، قاض، من العلماء بالحديث، ولد بالبصرة، وولي القضاء بمدينة المنصورة والأعمال المتصلة بها
فتقلت
سنة 284 هـ، ثم نقل إلى قضاء الشرقية (الكرخ) وصُرف سنة 296 هـ وأعيد سنة 317 هـ قضاء الجانب الشرقي (ببغداد) الشام والحرمين واليمن، وصنف مسنداً كبيراً قرأ أكثره مع على الناس، وكانوا يضربون المثل بعقله وحلمه. توفي في بغداد سنة 35 هـ/ 932 م. انظر: الزركلي، خير الدين: الأعلام، ج 7، ص 148.
282