الصحيفة القحطانية حميد بن محمد العبيداني، الشهير بـ "ابن رزيق"

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٢٩٥

علقت بأذياله؟ أو سلطان تسلطت بعزه؟ أو علم تقع الإشارة إليك به؟ إنك لو قدرت على نفسك بقدرها، أو وزنتها بميزانها لم يذهب بك التيه مذهباً لما عدوت أن تكون شاعراً مكتسباً. فامتقع لونه وغض بريقه، وجعل يكثر في الاعتذار، ويرغب في الصفح والاغتفار، ويكرر الأيمان أنه لم يكن يثبتني، ولا اعتمد التقصير بي. فقلت: يا هذا إن قصدك شريف في نسبه تجاهلت نسبه، أو عظيم في أدبه، أو متقدم عند سلطانه خفضت منزلته فهل المجد له تراث لك دون غيره؟ كلا والله، ولكنك مددت الكبر ستراً على نقصك، وضربته رواقاً حائلاً دون مباحثتك، فعاود الاعتذار، فقلت: لا عذراً لك مع الإصرار وأخذت الجماعة في الرغبة إليّ مياسرته وقبول عذره، واستعمال الأناة التي تستعملها الحزمه عند الحفيظة، وأنا على شاكلة واحدة في تقريعه وتوبيخه وذم خليقته وهو يؤكد القسم أنه ليس يعرفني معرفة ينتهز معها الفرصة في قضاء حقي، فأقول: لم أستأذن عليك باسمي ونسبي؟ أما كان في هذه الجماعة من كان يعرفني، لو كنت جهلتني؟ وهب أن ذلك كذلك، ألم تر إشارتي؟ أما شممت عطر نشري؟ ألم أتميّز في نفسك عن غيري؟ وهو في أثناء ما أخاطبه، وقد ملأت سمعه تأنيباً وتفنيداً، يقول: خفض عليك، أكفف من غربك، اردد من سورتك، استأن، فإن الأناة من شيم مثلك. فاصحب حينئذ جانبي له، ولانت عريكتي في يده، واستحييت [505] من تجاوز الغاية التي انتهيت إليها في معاتبته، وذلك بعد أن رضته رياضة الصعب من الإبل، وأقبل إلي معظماً، وتوسع في تقريضي مفخماً، وأقسم أنه ينازع نفسه منذ ورد العراق ملاقاتي، ويعد نفسه بالاجتماع معي، ويشوقها التعلّق بأسباب مودتي، فحين استوفى القول في هذا المعنى، أستأذن عليه فتى من فتيان الطالبين الكوفيين، فأذن له، فإذا حدث مرهف الأعطاف تميل به نشوة الصبا، فتكلّم، فأعرب عن نفسه، فإذا لفظ رخيم، ولسان حلو، وأخلاق فكهة، وجواب حاضر، وثغر باسم فيه أناة الكهول، ووقار المشايخ،

فأعجبني ما شاهدته من شمائله، وملكني ما تبينته من فضله، فجاراه أبياتاً.

292