الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٣٥٠واحد بما يراه أنه أصوب وإلى الحق أقرب،، كما كان ذلك عليهم في القبلة للصلاة على التحري لها، والقصد لإصابتها، عند عدم الأدلة عليها، وعلى هذا وأمثاله ينزل ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم، لوابصة استفت قلبك يا وابصة، وإن أفتوك وأفتوك). وبهذا يدخل تحت حكم الآية أن اعمل بما تعلم، فيكون من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه (1).
مو
بعد الوقوف على الأقاويل المتعارضة بالرأي، وكذلك مهما كان ذلك في الدين على افقة الدين، والدين ما لا يختلف فيه، وإن اختلفت فيه كان الحق في واحد، والمحق من وافق الحق في ذلك، والمبطل المخطئ له كان ذلك منه في الدين براء أو بدين من أثر، ونظر، أو عبارة، أو سماع لخبر من أحد من البشر، لأن استفتاء العقول، واستعمال المقول، من قول من يقول على مخالفة حكمة الأصول، في أوجه ما لا يسع خلاف دينه [الذي] شرع حرام وضلال وباطل في دين الله تبارك وتعالى، لأنه لا خلاف في أنه لا يجوز في الدين، ولا في الرأي، إلا موافقة الحق برأي ولا بدين، والدين غير الرأي والرأي غير الدين، وإن كان في الأصل خارج بأسره من الدين، فلا يجوز الرأي في الدين، ولا الدين في الرأي، والدين أضيق على مخالفة من سم الخياط على جثة الجمل والرأي أوسع من الدهناء لراعي الإبل، وعلى كل ذي قلب [538] أن يكون المستفتي فيه لقلبه عاملاً بما يكشف له من الحق في ذلك، آخذاً بأعدله على حسب ما إن فتح له وهدي إليه وألهمه من عدله في خاصة نفسه، وإن خولف فيه، وكان غيره على خلاف ما عليه رأياً، ما لم يتضح له من نور البصيرة حلية الحق في ذلك الذي عليه الغير أنه أصح وأهدى وأرجح وأقوى، إذ لا معنى لاستفتاء القلب، وإن أفتى المستفتي، إلا أن يدع ما يريبه إلى ما لا يريبه ويترك ما حاك في صدره، فالبر ما اطمأن إليه القلب، والإثم حرامه، وأن يتورع فيه رأياً، فليأخذ بما يترجح فيه من الآراء، فيما يراه أهدى
(1) الخروصي، جاعد بن خميس المصدر نفسه، ص 424 - 425 - 426.
347