الصحيفة القحطانية حميد بن محمد العبيداني، الشهير بـ "ابن رزيق"

الجزء الرابع

الجزء ٤ · صفحة ٩

قربة إلى مولاك، فإنك في عقبه كؤود، والمخف أخف وأقوى على اقتحامها من المثقلين، والاشتغال بما لا معنى له اشتغال عن معنى، وقد أشغلت نفسي بهذا الكتاب، ابتغاء ما عند الله، لأني أرجو منك القبول، وأن تكون مستعداً لتقوية الإسلام وأهله. وقد بلغني عنك، أن الله رزقك من المال ما يغنيك عن الاكتساب، وأنت مشعل نفسك بتعليم الأولاد الصغار، فيا عجباً ممن يشغل نفسه بتعليم من ليس بمتعبد به عن تعليم نفسه، وهو محتاج إلى إنقاذها من الهلاك القائم، وكيف ناصحك انقطع في التعليم وقت الشباب على تمر وقاشع بلا خبز مدّة من الزمان، وعنده زوجة قائم لها بتمام معاشها، وهذا كشفته لك بلا، فخر، ولا مَنّ، لكن لتهيج لك إلى طلب العلم، فافهم ذلك، والله أعلم ().

ومن تفسير الثعالبي قوله تعالى: ومن قتل نفساً بغير نفس، أو فساداً في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً) (2)، وقد قيل: مَن قتل نبياً، أو إماماً عدلاً، فكأنما قتل الناس جميعاً، ومن شدّ على عضد نبي، أو إمام عدل، فكأنّما أحيا الناس جميعاً، قال الشيخ أحمد سعيد بن الكندي: وعلى هذا من ربّى متعلماً وأعانه بنفسه وماله على تعليمه، وأنفق عليه من ماله، وأعانه على نفقته وكسوته، وما يحتاج له في دنياه، حتى صار عالماً فقيهاً مباركاً نفاعاً للناس، معلماً لهم دينهم، منقذهم من الهلاك إلى السلامة، فكأنما أحيا الأمة التي هو إمام فيها جميعاً، ومثله في إعانة الإمام العدل، لأن العالم و الإمام العدل رُبَّاني الأمة، وهما مفضلان على عالمي زمانهما، وكذلك من قتل أخاً في الدين، أو إماماً منصوباً عادلاً مستقيماً، يهدي الناس إلى الطريقة المثلى، فكأنما قتل الناس جميعاً، الذي هو إمام لهم، فافهم هذا المعنى الجليل. وكذلك من قتل جباراً عنيداً بحجة حق، وأنقذ الناس من ظلمه ومضرته، فكأنما أحيا الناس

(1) الخروصي، جاعد بن خميس: المصدر نفسه، ص 470.

(2) سورة المائدة، الآية 32.

6