الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ١٣يشتد عجبه بالدنيا ولا يميل قلبه إليها، وإن المسكن الأصلي له هو الآخرة لا الدنيا (1).
أما قوله إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الحياة الدنيا إما لكونه سبباً للعذاب الدنيا، فمن الوجه الأول: أن كل من كان حبه للشيء أشدّ وأقوى، كان حزنه وتألم قلبه على فواته أعظم وأصعب. فالذين حصلت لهم الأموال الكثيرة والأولاد، وكانت تلك الأشياء باقية عندهم، كانوا في ألم الخوف الشديد من فواتها، وإن كانت هلكت، كانوا في ألم الحزن الشديد بسبب فواتها، فثبت أن حصول موجب الجسمانية، لا تنفك عن تألم القلب، إما بسبب خوف من فواتها (2).
•
السعادات
وإما بسبب الحزن من وقوع فواتها والثاني: إن هذه تحتاج في اكتسابها وتحصيلها إلى تعب شديد، ومشقة عظيمة، ثم عند حصولها، تحتاج إلى متاعب أشد وأشق وأصعب وأعظم في حفظها، فكان حفظها بعد حصوله أصعب من اكتسابه، والمشغوف بالمال والولد أبداً في تعب الحفظ والصون عن هلاكه، ثم إنه لا ينتفع إلا بالقليل من تلك الأموال، فالتعب كثير، والنفع قليل (3).
والثالث: إن الإنسان إذا أعظمه حبّه لهذه الأموال والأولاد، فإما أن تبقى عليه هذه الأموال والأولاد إلى آخر عمره، أو لا يبقى، بل يهلك ويبطل، فإن كان الأول، فعند الموت يعظم حزنه، وتشتد حسرته، لأن مفارقة المحبوب شديدة، وترك المحبوب على يد الأعداء أشدّ وأشق، وإن كان الثاني، وهو أن هذه الأشياء تهلك وتبطل حال
(1) المصدر نفسه، ص 289. (2) المصدر نفسه، ص 289 - 290.
(3) المصدر نفسه، ص 290.