الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ٢٣يجمع لهم؟ إنه على هذا من أمرتهم لأجدر، أن يقضي من الإجازة فيحذر، وإن أكثر الصيام، وصلى بالليل والناس نيام، وحجّ إلى بيت الله الحرام، فزار المصطفى في كل عام، فإن ذلك كله ليس بشيء، لأنه هباء، فإن يكون له من عمله إلا العناء والكد والشقاء، لأن العلى العظيم الغنى، لا يقبل الشركة، فكيف يجوز عليه أن يرضي من العمل مشوباً صالحاً، وحوباً، وليس من شأنه، إلا أن يقبل، إلا ما كان خالصاً لوجهه الكريم، من كل ذي بال سليم، وهؤلاء في الورى، كما تسمع أو ترى، فاحذروا أن يكون كذلك، والله الموفق، فلينظر في ذلك (1).
وقال في موضع آخر: نعم إن الله داراً خلقها، فأعدها لأعدائه، وسماها جهنم، هي نار الله الموقدة، التي تطلع على الأفئدة، حرّها شديد، وقعرها بعيد، وطرقها وعرة، وهذه واحدة منها، فإن تردها فانهج، تجدها فتلهج بالعويل والزفير، والويل والثبور، وعند الوصول يكون الدخول، وليس بعد الولوج من سبيل للخروج، هي دار الخلود لمن طغى من العبيد طعامها الزقوم وشرابها الصديد عليها ملائكة غلاظ شداد، كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها مقرنين في الأصفاد، تغشي وجوههم النار، لا يزالون في ذل وصغار، وأما غيرها في هذا، فلا أعرفها فأدله عليها، ولن أصفها، لقد كان ينبغي من طريق الواجب على من أعطى من الدنيا قسماً وافراً، أن يبذله فيما يقربه إلى الله زلفى لعسى أن يعوض عليه في الآخرة حظاً فاخراً، وهؤلاء لما ارتفع قدرهم عند أرباب العمى عن رؤية الحقائق، وما اتضح، وسادوا، فحادوا عن أمرتكم الطريق إلى الجانب المضيق، حتى دخلوا من المهالك، في أضيق المسالك، وإن دعوا إلى الرجوع، عادوا، فزادوا، كأنهم قد أمروا بما قد نهوا عنه، ولربما أورثهم العداوة لمن يعرفهم بما هم به من البغي، ويأمرهم بالرجوع عن البغي في الرواح والغدو، والظن فيه بأنه هو العدو، عمى
(1) الخروصي، جاعد بن خميس: الدقاق في دق أعناق أهل النفاق، مخطوط (في وزارة الثقافة والتراث العمانية) ص