الصحيفة القحطانية حميد بن محمد العبيداني، الشهير بـ "ابن رزيق"

الجزء الرابع

الجزء ٤ · صفحة ٣٣

وإنما جرى التخصيص ليوم الدين، لكشف الغطاء، حين النداء، لمن الملك اليوم الله الواحد القهار. مقالاً بالصدق واعترافاً بالحق، لظهور العيان، المستغني عن البرهان، على سلب الأعيان، ورجوع العوادي من الملك المجازي، إلى الملك الحقيقي، ذي الملك السرمدي، والتنصيص لنفس اليوم، اكتفاء به عن ذكر الله، لأنه كالمستلزم له في اشتماله في صرفه عليه على ما جرت به العادة في عرف اللغة، وذلك نوع تنزيه على الأعمال الصالحة، واجتناب الطالحة، لأن باختصاص التسمية له بالدين من بين سائر ما يسمى دلالة على أنك كما تدين تدان، فانظر في ذلك يا ذا الغفلة لنفسك أيام المهلة، وكأنه في هذه الجملة أبلغ تنبيه على حقارة الدنيا، وأشد تحذيراً منها، وتزهيداً فيها، لكونها مطلوبة، وفي الآخرة مسلوبة، فآثروا ما يبقى على ما يفنى، فالباقيات الأعمال والنيّات والأقوال الصالحات. لا غير، فارعوها حق رعايتها، إن كنتم، موقنين وانظروا فيها، وإلى هذه الخمسة الأسماء العظيمة والصفات البالغة الجسيم فإن تحت كل اسم وصفة بحراً من المعاني لا ساحل له. ومن كان كذلك حاله في أوصافه، فكيف لا يكون لمخص الحمد أهلاً؟ كلا إنه لواجب الحمد، ويدلك على هدايته، فاحمدوه حمد من يستوجب لإخلاصه في حمده الحمد والزلفة بحمده واعلم أن الحمد في اللسان لاجدوى له، حتى يكون نتيجة قلب شاكر الأركان، رحل فسرى من الملك الأدنى، إلى الملكوت الأعلى، على جواد الاجتهاد، حتى وصل، فناخ على الرضا بفناء حضرة الربوبية، فينزل منزل العبودية، فغاب عن الأغيار شهود الملك الجبار، وطفق ما قدر الله على الالتفات، لما حضر لمولاه العظيم، وربه الكريم، قد أقبل بشر أشره إليه، لما نظر بعين اليقين إليه، بقول من خالص باله بلسان حاله، وصدق مقاله (1).

وإياك نعبد وإياك نستعين (2)، قرأ بفتح الهمزة والكسر أكثره، وقلبها بعض القراء هاء، والأول أشهر، وكان هذا لما يصفح ألواح صفحات عالم الشهادة على

(1) الخروصي جاعد بن خميس: مقاليد التنزيل، وإدراك حقائق التأويل، ص 6 - 7. (2) سورة الفاتحة، الآية 5.