الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ٣٤الوحدانية، وتلمح معاني صفحات الإلهية، مجلى له من لوائح الغيب، أنوار أسرار الحق على الحقيقة، فعلم يقيناً أنه المستحق لأن يحمد، ويسبح، ويوحد، ويطاع فيعبد، هو لا غيره، فقال تحت الاستعانة والامتثال والتضرع في الخدمة والابتهال على التخصيص، إياك نعبد لا غيرك، ثم استدل بأنوار البرهان على معارج العرفان، فرقاً من مدارج أسرار العيان، فأدهشه عن ملاحظته الأكوان، حتى غاب عن الحس، في جنان القدس، وفني في أحواله عن مشاهدة أعماله، وعمي عن الخلق، بشهود الملك الحق، وانطوى في شهوده عن دائرة وجوده، فقال: وإياك نستعين على أداء شكرك، والقيام بحقوقك وأمرك، بل في المهمات كلها [565] هرباً من اللجاء إلى غيره ضرباً من الجور، والقوة والطور، وإقراراً بالعجز عن نفسه، وعلى غيره من أبناء جنسه وللمولى بالقدرة، لما أيقن أن لا طاقة له على النهوض بأعيانها، إلا به لا غيره، ترك الالتفات إلى غيره، وأقبل عليه بالكلية، حين لم تبق فيه لغيره بقية، لأن إياك نعبد، مقام الإخلاص في العبادة، وإياك نستعين مقام الصدق في الإرادة، فالأول الله، والثاني بالله، والضمير في الكاف المتصل ثايباً فيها، من المتكلم للمخاطب المكلم، والله معكم أينما كنتم، والكسر له لحن تفسد به الصلاة، وكانه في نفس الخطاب دليل على تقديم العلم على العمل لقوله إياك صادر عن معرفة به مزايلة الاضطراب لامرئية فيه، ثم نفي بقوله نعبد لما نظر إليه بعين اليقين، فعرفه بالإلهية ونفسه وأمثاله بالعبودية، فكأن وجود العلم يستدعي وجود العمل، فالعلم إمام، والعمل تابعه، ولذلك حمده، وأثنى عليه، فعبد، وبه استدل على ينبغي ألا يكون نظره، إلا إليه حين العبادة، إلا من حيث أنها من هداياه وجزيل عطاياه، بلى، ولكون هذه الخصلة تسبب الوصلة، ذلك لئلا يكون فيه نسوب لغيره، فإنه لا يقبل الشركة، وكون التكرير له فيما قيل للتنبيه على أن العبادات، لا يمكن القيام بها، ولا تتأتى لمريدها، إلا بالمعونة من الله، فهي في الحقيقة منه إليه، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وقيل في الواو: إنها الحال أي نعبدك مستعينين بك، وكأنه يحتمل في الفعلين أن يكون إيرادهما بلفظ الجمع تفخيماً لشأن المخلصين، وسعي العابدين، ومناجاة المضطربين، وسؤال المتبتلين، أو إنه أراد به نفسه
أنه
31