الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ٣٧عالم الملك المؤدى من به اهتدى، فإن به أدلّة تغمس المستدل بها في داء ماء أنوار الإيمان اليقين بالغيب، وتخرجه من وحي هيكل هيولى ذاته، ويسقيه شربه من رحيق المعرفة التوحيدية، تبرئة من العيب، وقد تعافى من كل داء دفين في الباطن المقتضى لوجود الصحة في الظاهر، وتبرد غليل القلب من حر العمى، ونار الهوى، فلا يظمأ بعدها أخرى أبداً، وتجلي صدى الشك وغشاوة النفاق، وظلمة الشرك، فيضيء القلب لمزيد نور العقل، بنور سر المعرفة منه لربه ونفسه ودنياه وآخرته زيادة تقيده إشراقاً بنسج مدلهمات ظلم النفس الأمارة بالسوء، ويصقل مرأته فتنجلي صورة الملكوت فيه، وتعرج مهما يعلو بأسبابه المتدلية إلى عالم الشهادة، فيرقى في درجات الكسبية إلى المنازل العقلية، لكن ثم ينادي من شاطئ الواد الأيمن من وراء حجاب فاخلع نعلي صفاتك، وكن موسي الصفات، فتجرد من مسح الهوى والبس خلع الآداب الملكية، والملابس الروحانية، وتدرع رياش الحلم والتقى، إنك بواد الأسرار الحقيقية المقدس طوى، واقصد في مشيك واغضض من صوتك، واثبت لما ترى واستمع لحن الخطاب، وأحسن رد الجواب، فليس بينك وبين الملكوت الأعلى غير قاب قوسين أو أدنى، فبفضل الله وبرحمته، فافرح، ودع قلبك في برزخ أنوار المعارف الإلهية يسرح، وباستدامة الأذكار تنجال فيه الأنوار، حتى تعلوا في الملأ الأعلى ذكره، لما انشرح بنور الله صدره، وتفتح له مفاتيح الكشف الحقيقي باب المحبة والأنس والرضى بأنواع القضى، فيتيه في عرصات الشوق إلى الله تعالى حتى يتخطى الملك إلى الملكوت، فيسبح في فسيح بيداء [أسراره] الإلهيات، ويغوص في أدنى بحارها، فيبصر بعين البصيرة، لا إلى غوامض أنوار الحقائق الغيبيات، ويفتح لأسماعه باب الاستماع، فيهيم في عياض رياض الوجد، بسماع نغمات تسبيح الجمادات، حتى يغيب عن الممالك إلى المالك، فلا يجد ماسواه، ولا ينظر ما عداه، فهذه هي الأسباب الأربعة (1). لكن في بعض المعلومات ما هو على الصحيح في البداية لشيء، وفي النهاية ضروري، وكذلك يتولد في بعض الضروريات أنواع من المعاني، يستفيدها العقل
(1) الخروصي، جاعد بن خميس: مقاليد التنزيل، وإدراك حقائق التأويل ن صت 7 - 8 - 9.