الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ٤٠المرادة عين المراد في هذا الموضع بالذكر لها في معرض الامتنان، هي النعمة الدينية على الخصوصية، وإن ورائها تبع لها، لمن قيدها بعقال الشكر لها، لأن في مقابلتها بالكفر لها تعرضاً لزوالها، نعم إنها تنقلب في حقه تلك النعم بالإضافة إليه من أشد النعم والدليل على هذا قوله: (غير المغضوب عليهم ولا الضالين (1)، فإنه من التأكيد بالمدح لوصف أولي الهدى في معرض القدح بالذم لذوي الردى بأسباب الأعراض، وذوي الأمراض بالزيغ الشديد عن الطريق السديد، المقتضى لوجود الإخراج لها عن مطلق النعمة ولا دراج تحت النعمة، فكأنه نوع استثناء، لمزيد الكشف عن احتمال لبس عوارض الأشكال، ولعله لذلك، قرأ الراء بالنصب، فيما يروى، عن ابن كثير، وللحال من الضمير في أنعمت، بمقدار أعني وكأنه من واضح الأدلة في الخطاب، على أن من كان كذلك حاله فليس على نعمة ولو أعطي، الدنيا كلها، وعوفي في بدنه، حتى انبسط في لذاتها، يتبؤ فيها على فراغ قلب كيف يشاء، لأنه في هيكل ذاته أعمى مكبل بشهواته، أصم محصور في سجن هواه، معكوس مكب على وجهه منكوس يستجيب مجروراً بمراس هفواته مردوداً إلى أسفل السافلين فكأنه في العذاب المهين، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى (2). ولما كان الغضب غالبه، يكون على أهل العناد، احتمل أن يكونوا هم المجاهرين بالشر وأنواع الفساد والضالين ساكن الألف من غيرهم، وقرئ بالهمزة فيما يروى هرباً من التقاء الساكنين هم الملحدين عن جهالة عن الشروع في هذا المقصد والمشروع عبادة، لأن الضلالة ميل في غوى، لكونها مصدر ضل عن الشيء إذا أخطاه لعمى. وتخصيص اليهود والنصاري [570] بالغضب دون غيرهم من الراكبين كبائر ما تنهون عنه من المشركين والمنافقين ينتفض بأنه اللعان، والتعمد على القتل ظلماً، وكأنما فى الظاهر لوجود الواو العاطفة المقتضية للشركة مع اختلاف الصفة فريقان. لكن الغضب كأنه لهما شامل بالنسبة والمعني والضلالة
(1)
سورة الفاتحة، الآية
(2) الخروصي، جاعد بن خميس: مقاليد التنزيل، وإدراك حقائق التأويل،
37
ص
12 - 11 - 10 - 9