الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ٥٩مما يجوز فيه القياس، كما أنه إذا لم تشبه تلك النازلة شيئاً مما يسبق فيه القول بالرأي، وكان مما يجوز فيه الرأي، والمبتلي به ممن يجوز له القول بالرأي جاز له أن يقول فيه بالرأي، إذا أبصر وجه الرأي فيه، وبان له صوابه، وانشرح له صدره، واطمأن إليه قلبه، فكيف إذا قاسه على ما هو مثله؟ وقد جاء الأثر أنه يقاس ما لم يستوفيه قول من أهل العلم على أقرب الأشياء إليه، وكفى حجةً وشاهداً، قياس بعض العلماء بعض الفروع، التي لم يسبق فيها قول قبل القائسين لها، على رأي قد سبق فيه قول من أهل الرأي فيما لا يحصى، وأرجو أن لا يغيب عليك ذلك، إن شاء الله، وما أشبه الشيء فهو مثله، هكذا جاء الأثر، وما قد ذكرت في قول من يقول ما اختلف فيه بالرأي، لا شك أن أحدهما خطأ عند الله، وكذلك ما زاد على ذلك، لا يكون الحق، إلا في واحد، ولو كانت في الظاهر كلها عدلاً، لم يبين لي معنى ما أراد هذا القائل، وكان القول بنقض بعضه بعضاً، وكان معناه يخرج على إبطال الرأي من الدين، وإبطال قول النبي عليه السلام: (أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم)، فيكف يكون مهتدياً في الظاهر، مخطئاً في الحقيقة عند الله؟ وقد قال الله تعالى: {وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذا نقشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان (1)، ثم قال مدحاً للجميع المخطي والمصيب وكلاً آتينا حكماً وعلما (2) فهذا في الخطأ في الرأي، فكيف إذا كانوا كلهم مصيبين، أرأيت إذا اختلف عشرة أنفس في حادثة، وكان مما يجوز فيها القول بالرأي، وكانوا كلهم من أهل الرأي وأهل علم وفقه ونظر وبصر، وقال كل واحد منهم باجتهاد نظره، لم يتفق اثنان منهم على معنى واحد بل اختلفوا كلهم، وكانت أقاويلهم كلها خارجة على معنى العدل متساوية، فهل يجوز أن يكون العامل بها، أو بشيء منها، مخطئاً عند الله؟ وقد قال الله تعالى: فمن شرح الله صدره للإسلام
(1) سورة الأنبياء، الآية 78 - 79.
(2) سورة الأنبياء، الآية 79.
???