الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ٦١تعلمون) (). ومن القول بما لا نعلمه عدولنا إلى غير العدل من الآراء، وذلك ليعدل إلى ما ضاقت به أنفسنا، ولم تنشرح به صدورنا، والعمل بشيء من ذلك غير تحري منا لإصابة العدل، وهو ما انشرحت به صدورنا على سبيل الهوى والعمى، فقد تعبدنا الله تبارك وتعالى بعمل ما انشرحت له صدورنا من الآراء والأقوال المختلف منها بالرأي، وإن ضاقت به صدور غيرنا، لأن الله تبارك وتعالى قد تعبدنا بذلك، فيكون ذلك حقاً في حقنا. وإن كان باطلاً في حق من ضاق صدره،
فيكون ما تعبدنا الله تبارك وتعالى به بخلاف ما تعبد به غيرنا منها، وكذلك قد تعبدنا الله بترك ما ضاقت به أنفسنا، ولم تنشرح له صدورنا، وإلا فيكون في حقنا باطلاً، وإن كان حقاً في حق غيرنا، لأن الله تبارك وتعالى وينهانا عنه، وإن كان أمر به غيرنا. وقد يجوز في علم الله أن يأمرنا بما نهى عنه غيرنا، ونهانا عما به أمر غيرنا، وليس لنا إلا الامتثال والنهي والانتهاء عن معصيته، تبارك وتعالى (2). وما قد ذكرناه في كتابنا هذا، لسنا متعاطين لعلم الغيب، ولكن التماساً لموافقة الحق في ذلك، بالدلائل التي دلّلنا عليها، والشواهد التي استشهدنا بها، أو نظير فيما كتبته لك، ولا تقبل منه إلا ما وافق الحق (3).
فهذا ما قال الشيخ سعيد بن أحمد الكندي بعينه، لم أغير ولم أبدل منه شيئاً، سوى ما قدمت في الكلام، وأخرت في آخر الرقعتين. لأنه وصل كتابه إلى مرتين، أحدهما قبل الأخرى بعد ما وقف، رحمه الله تعالى، على ما ألفته أنا في هذه المسألة، فزاد في قوله، وأرسل الزيادة إلي في رقعة أخرى، فأحببت تقديم ما هو أولى أن يقدم من المعاني فيهما، وتأخير ما هو أحق بالتأخير منهما، وذلك إذ قد أمرني الشيخ بنفسه، أن أدخل الزيادة حيث أريد العلم، وأنا الذي ألفت ذلك فيها، سألته ليكون جوابه لما قلته، كالشاهد لي، وكأن هذين الجوابين كل واحد منهما يشهد للآخر،
(1)
سورة البقرة، الآية 169.
(2) الخروصي، جاعد بن خميس: مقاليد التنزيل وإدراك حقائق التأويل، ص 485 - 487.
58
EAV
(3) المصدر نفسه،
ص