الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ٧٧6
وتكونوا قوماً بوراً، ويصبح سعيكم هباءً منثوراً، لأن في هذا الميدان الصعب على التأييد، قوماً أولي بأس شديد، لا ينازلهم جاهل رعديد، ولا يقاتلهم إلا فتى صنديد، قد لبس الدروع النبوية، وتقلد الصوارم الإلهية، وقام في موضع النزاع على ساق الإجماع، قد اعتقل المردينيات العقلية، وتنكب الذرق اللغوية، معروف بشدة المراس، محكم لقواعد القياس، فارس كمي متفرس لوذعي، خبير بصير، راكب بين العباد على جواد الاجتهاد له قلب جريء وساعد قوي، يستفرق في نزع قوس الجدال الواسع بالواسع، حتى لا يبقي في المنزع مهزع، وعندها يرمي عنها بسهام النيات الجلية في المجادلات لإيضاح كل خفية بالحق عن أوتار الصدق، فإن تك كذلك كأولئك، وإلا فالسلم أسلم، فإن أبى من الرجوع، والكون في هذا المشروع، وركن إلى الفرار، فولاكم الأدبار، على الإصرار، فنادوه بصوت فصيح: إلى أين الفرار؟ ولا مفر كلا لا، وزر لا مفر إلا هذا المستقر، يُنبؤ الإنسان يومئذ بما قدّم وأخر، ليعلم عجيب شأنه، الذي أظهره الله على لسانه فيا أيها المجادل، ألست بسلامتهما القائل؟ بما لم تجد لها مقرعاً، ولم تر للمهالك للهلاك موضعاً، وقلت مع ذلك: إنه كذلك لوجود الإجماع على الإباحة والفرض [596] كل في محله منهما، وهو الحق والصواب وبعده الاستفهام على سبيل الإنكار، هل يجوز على هذا أن يبيح لهما، أو يفرض عليهما بحق ما ليس بحق؟ ومن ورائه تكون المثوبة، أو العقوبة، ألم نقل فيه في الإباحة والفرض بأنهما على الإجماع كانا، والإجماع لا يكون عند الله إلا حقاً، لكونه لا يقبل الخطأ صدقا؟ أليس على هذا صار الرأي والعدل من الاختلاف في الرأي كله من أمر الله وإذنه؟ ولا يستقيم أن يأمر بشيء لا يرضاه، والله غير الحق لا يرضى، ولا أن يأذن في شيء لا يقبله، وغير العدل لا يقبل، فصح بهذا الاعتبار فيه، أنه على اختلافه كله حق في مجمله، ليس في شيء منه خطأ عند الله، إلا ما كان على وجه الغلط في القول للعدل من القائلين في الرأي في مواضع الرأي بالرأي مما يجري على لسان الإنسان على خيالات النفس بلا علم، أو من وسواس الشيطان؟ فانظر في هذا، وتدبر معاني ما قلت في الله من قبل
74