الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ٨٠كما قد مضى،
المبصرة، والبصائر المستبصرة، فمن كان على بينة من ربه، كمن هو أعمى، كلا هل يستوي الأعمى والبصير؟ أم هل تستوي الظلمات والنور؟ إنما يتذكر أولو الألباب على أنهما لا يستويان، بلى، ولأن في تجويزه على عدل الاختلاف من الرأي، ما يقتضي تسويغ الضلال، والعمل الله في الباطل على الحقيقة بالباطل، فأي شيء في العقول أقبح من تجويز هذا في الله، أن يكون منه على أمره لعباده به إليه، والله بغير العدل والحق والصواب والهدي لا يأمر، أتقولون على الله ما لا تعلمون فإن قال: فإذا كان غير الله لا يدري، ودعواه لا تجوز كما ذكرتم، [598] فلم تقولون ذلك في الصواب من الرأي، وفي العدل من الاختلاف من أهل الرأي، ليس هذه من ذلكم واحدة؟ قيل له نعم صحيح إن علم الله غيب، لا يدري والله لا يحاط بشيء من علمه إلا بما شاء، وأظهره للناس، أو نصب عليه الأدلة المزيلة لقناع الالتباس، فليس من ذلك في شيء، والرأي في موضع الرأي، مما قد فوّض الله أمره إلى عباده العلماء، الذين جعلهم في الخلق سادة. وللناس أئمة وقادة، وأوضح لهم من علامات مبادئ منارة، وأنار قلوبهم بأنوار معارف أسراره، و هداهم إليه بهداه، ودلّهم في الكتاب عليهم بفحواه، فوقع الخوض في وقته عن أمره وإذنه، والله لا يأمر بما عنه ينهى، ولا يأذن بما ليس يرضى، وصح لهذه الأدلة والعبارات المدلة أنها حق كلها إلا ما أخرجته بينه الحق منها غير العدل، ولئن قلت: إن الله أمرهم ليقولوا ذلك الواحد الحق، فأخطاؤه بغيرها لا واحد منهم، فكيف
جاز العمل عليه بمن رآه، وليس في شيء غيره، غير الباطل؟ وقد أجمعت الأمة والحمد لله، على القول به، والعمل عليه، والله لا يجمع أمة محمد، صلى الله عليه وسلم، على ضلال ولا خطأ، وقد دل هذا كله على أن القول كذلك فيه، ليس من الدعوى عليه فيه، ولا من الغيب الذي لا يطلع عليه، وإنما الدعوى المحرمة عليه فيه، أن يدعي على الله فيه كل ذي رأي، إن الله قال: ذلك الذي قاله برأيه هذا الذي به يقول في هذا ويراه، فإن هو أجاز إليه فنعم المراد وإن أبى من قبوله، وأعرض عنه وعليه بالنكير، نادى ولم يزل يتمادى عكس عليه القول بالسؤال له
VV