الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ١١٣أساسها ومبانيها، فيفرق بين خصوصها أو عمومها، ويميز مواطن أنفالها من لزومها، حتى يلوح له برهان الصدق، فيقف في ذلك على حقيقة الحق، والمريد السالك لا يتضح له منار الحق فيها، إلا بذكر الشواهد التعليلية عليها من صريح الخبر وفصيح الأثر، وإيضاح معاني ذلك من لسان العقل، لتنكشف للناظر فيها حقيقة معنى النقل، وسنورد فيها من الخبر والأثر، ما فتح الله ويستر، فنقول في ذلك أما الخبر، فما روي عن أبي ذر، رحمه الله، أنه قال: أوصاني رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فذكر من ذلك حقوقاً، قال في آخر ذلك: (وأحسن مجاورة جارك، وإذا طبخت مرقة فأكثر ماءها، واعط جيرانك منها). وقال، عليه السلام: إذا اشتريت فاكهة، فاهد له منها، فإن لم تفعل، فأدخلها سراً، ولا يخرج بها ولدك، ليغيظ بها ولده، ولا تؤذه بغبار قدرك، إلا أن تغرف له منها، ولما سئل عليه السلام عن حق الجار، ذكر للسائل حقوقاً، فقال آخر ذلك: أن لا تؤذيه بغبار قدرك، إلا أن تهدي إليه منها، وفي الإسرائيليات، أن يعقوب، عليه السلام، قال: إلهي أذْهَبْتَ ولدي وبصري، فما رحمتي؟ فأوحى الله إليه: وعزتي إني راحمك، وراد بصرك وولدك عليك، ولكن بلوتك بهذه البلية لأنك سويت حملاً، فوجد جارك رائحته، فلم تطعمه منه، فكان يعقوب ينادي مناديه: ألا من كان مفطراً، فليتغد مع يعقوب. [622] فإذا كان المساء ينادي مناديه: ألا من كان صائماً، فليفطر مع آل يعقوب. فرد الله عليه بصره وولده كما وعده، وفي الحديث أن عائشة، رضـ عنها، قالت يا رسول الله لي جاران، إلى أيهما أهدي؟ وفي رواية أخرى: إذا كان ما عندي لا يسعهما، فقال صلى الله عليه وسلم: إلى أقربهما منك باباً، وأما في الأثر، فقد قيل: إن أبا الحواري، سئل عن حق الجار وما يلزمه، فقال: يلزمه إذا طبخ قدراً مثل أرز، أو غيره، وعلم جاره به فيعطيه، وإن لم يعلم فليس عليه، وعن الوضاح بن عقبة أنه قال: إذا اشتريت فاكهة فاسترها عن جارك، وإلا فأنله منها، فاقتضى دليل الخطاب ولحنه ومفهومه وفحواه، كون الأمر بالجدوى لصرف الأذى من ذلك عن الجار، أو أسباب الأذى، ولما كان ذلك كذلك لا غير ذلك، ولا لغير
الله
110