الصحيفة القحطانية حميد بن محمد العبيداني، الشهير بـ "ابن رزيق"

الجزء الرابع

الجزء ٤ · صفحة ١١٦

أقرب، فهو الأحق أن يبدأ به، بالغاً ما بلغ الأقرب فالأقرب، وعلى ذلك دلت السنة بطريق عائشة [624] أم المؤمنين رضي الله عنها، وأقول لا سيما إذا كان فقيراً، لأنه يتضرر بذلك ما لا يتضرر به الغني، لعجزه وعدم قدرته عن شراء ذلك، وقدرة الغني على ذلك، فإن قلت: لعله لا يتأذى بذلك الجار، ولو علم له، وظهرت له الرائحة، فشمها، واطلع على الفاكهة، فعرفها. قلنا لعله يتأذى بذلك، فهذه بتلك إن لو ثبت قلت كيف والطاوي حكم الأذى وعدمه مع ذلك ظن بلا علم، ونفس الأذى شم الرائحة وتنشق الغبار، وكون الاطلاع على الفاكهة؟ ولو لا ذلك ما قال النبي صلى الله عليه وسلم للسائل عن حق الجار: (وأن لا تؤذيه بغبار قدرك، إلا أن تغرف له منها). وذلك لأن العلم بالفاكهة واتصال غبار القدير بالجار يهيج عليه باعث الشهوة لتلك المشتهيات، حتى يقضي به ذلك إلى تناول ذلك، ولو كان على سبيل التكلّف، وذلك الغالب على الطباع، إلا من ملك نفسه عن ذلك، وذلك ناد جداً بل لا ينفك الجار عن ذلك من أحد حالين فإما أن يكون من أولي الغفلة، وعقله تحت قبض، شهوته، أو يكون بالعكس، فإن كان من أولي الغفلة، كان سببا لإثارة باعث الشهوة أو تقويته، وحمله على التكلف في ذلك، بل ربما استحكم الباعث عليه، حتى يلجئه إلى تناول ذلك، ولو كان بالوجه المحرم والقدح في سبيل الاحتيال في تناوله بالخداع والمكر والكذب، وإن كان من ذوي الحجي، احتاج إلى مقاومة جند الشهوة، لئلا يتسلسل به إلى الإفراط والتفريط، لينجزع من الصبر عن ذلك، ولا يزال بينهما متحاذيا، حتى يسكن غليان الشهوة بعد العلاج إلا من شاء الله، وقد كان من هذا قبل هذا سالماً، فكان إظهار القدير أو الفاكهة سبباً لإثارة ذلك عليه، وذلك من نفس الأذى ومن ذلك يلزمه إعانته على دفع ذلك وحسمه بذلك، إذا علم بحاله ذلك وقدره، وليس كل إنسان يقدر على التوسيع على الجار من فاكهة له أو قدير أنضجه، وذلك حال الأكثرين، بل هو الغالب على الناس، وإذا كان بحال العجز عن التوسعة وعدم القدرة عن الاغتراف للجار من قديره، أو إنالته من فاكهته، لثبوت ضرر عليه من ذلك من نفس، أو مال، أو عيال، كان المسحتب له

113