الصحيفة القحطانية حميد بن محمد العبيداني، الشهير بـ "ابن رزيق"

الجزء الرابع

الجزء ٤ · صفحة ١١٧

من طريق الاستحباب فيما قالوه أن يتربص وجود ذلك مع الجار، ثم يوص إلى منزله من ذلك ما أراد، إن أراد، ومع [أن] ذلك إن أمكنه، وإلا فلا أرى أن يحمل في هذا إلى ذلك في استحباب ولا غيره، لأن أحوال الناس في هذا تختلف، فأناس غلب الحرص والبخل والشح عليهم، فلا يكاد الواحد تسمح نفسه بنقد درهم في شراء ذلك، إلا على طول المدة، وأناس حال عن ذلك منهم الفقر، فلا يجدون ما ينفقون في شراء ذلك، إلا نادراً، ومنهم المسرف على نفسه في ذلك، ومنهم المقتصدين ذلك، لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء، وإذا كان جاره مسرفاً في ذلك مبذراً، أو مقتصداً لازماً للوسط، فالأقرب [625] من ذلك تيسر المراد له في أغلب الأحوال في أشطاره، لوجود ذلك في يد جاره، وأما إذا كان فقيراً، لا يقدر البة على ذلك، إلا ما شاء الله، أو كان حريصاً على الدنيا، لا تسمح نفسه بذلك إلا نادراً، فربما يقع على المريد لذلك الضرر في غالب الأوقات، ولا يجوز إدخال الضرر عليه في الأغلب، ولا على الخصوص النادرة في الاستحباب للجار انتظار الجار في مثل هذا لا معنى له، أن يكون مستحباً له على الإطلاق في كل حال، بل الوجه في ذلك، إذا كان غيره قادر على التوسعة على الجار من ذلك لعدمه، وقلة ذلك الذي في يده لفقره، أو كان غنياً، إلا أنه لم ير لما معه من الفاكهة، أو الطبيخ، فضلاً أو أنه لم يردّ ذلك من جدواه أن يخفيه، كما أمر النبي، صلى الله عليه وسلم، فإن ظهر بعد الإخفاء، لم يكن عليه غير ذلك، وقد فعل المأمور به، فإن سقط الامتثال عنه لزوم نوال الجار من ذلك، ولو كان غير ذلك، ما كان للإخفاء عند الظهور معنى، إذا ظهر بعد الإخفاء (1).

وأما إكثار الماء للمرقة من الطبيخ، فلا يبين لي لزومه على غني ولا فقير، بل إنما ذلك الأمر به يخرج معي على معنى الاستحسان، من جملة الأدب المستحب، ما لم تلج المضرة في ذلك من ذلك، فإن قلت لما قلت: إن الجار إثنان، أحدهما: تمنع

(1) المصدر نفسه، ص 460 - 464.

114