الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ١٢٠الله عليه وسلم: (لا ضرر ولا إضرار في الإسلام) (1) [627]. ولما كانت الأوامر تأتي وجوباً، وتخيراً، وحثاً على النقل لنيل الفضل، ومنعت من جريانه على وجه اللزوم وجود تلك العلل المانعة من إجرائه على ذلك، أجريناه فيما له فيه محال، وهو الأمر به لنيل الفضيلة على معنى الوسيلة، لا على معنى اللزوم، إذ لا يلزم أخذ العدة للجدوى بإكثار الماء، لذلك القدير قبل ظهور الغبار بالجار، لأن الجدوى نفسها، لا يلزم من ذلك القدير، إلا بظهور الغبار، بل له ذلك، فهذا مقتض لذلك، ومن حيث الأمر وجدته يخرج على معنى الوسيلة، ولولا هذا ما أمر النبي صلى الله عليه وسلم عائشة، رضي الله عنها، بأن تعطي ذلك الأقرب دون الآخر، ولأمرها أن يُكثر الماء حتى يسعهما جميعاً، وعلى كل حال، فالإنالة من الفاكهة، والاغتراف من القدير، لا يلزمان الفقير المعسر، ولا الغني المؤسر، إلا بعد المواساة من ذلك لأنفسهما أو عيالهما، فالإنالة بعد ذلك بما لا ضرر عليهما، إن كان في ذلك سعة لزمهما، مهما حصلت الشروط الملخصة لهما أن يغرفا من فضل قديرهما، وينيلا من فضل فاكهتهما كل من دخل تحت، جوارهما، وكان لهما في حكم قيد الشرع جار، وإن لم يكن للكل من جيرانهما كافياً، كان الأقرب يومئذ، هو الأقرب في ذلك والأحق، وبذلك جاءت السنة من إيثار الأقرب بالفضل عن الأبعد، إذا لم يكن فيه فضل عنه إلى الأبعد، ولو كان مع سعته للبعض موزعاً بين الكل، وكان تنويل الكل بذلك، إذا لم يسع الكل لازماً لأمر النبي، صلى الله عليه وسلم، عائشة، تقسم ذلك بين جارتها ما أمكنت القسمة ولو قل، ولحن الخطاب مقتض لإمكان القسمة فيه، لأن ما يسع الواحد فقسمة ممكن لا محالة، لكن الأمر منه لها بتخصيص الأقرب، لما لم يكن فيه فضل عن سعته إليّ، إلا بعد دليل على سقوط الأبعد، إذ لم يسعهما ما عندها، ووسع أحدهما ذلك الفضل، وإن لم يكن فيه فضل عنهما، لم يكن عليهما ذلك، إذ لو كان ذلك مع ذلك عليهما، ما كان النبي عليه السلام، ولعائشة في جاريها أمراً لها، لما سألته أن يعطي الأقرب منهما، لما أنبأته
(1) المصدر نفسه، ص 464 - 465.
117