الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ١٢١أن ما عندها لا يسعهما، وكان دليل الخطاب يقتضي الكون فيه بأنه يسع الواحد منهما، وفي ذلك دلالة عظيمة على أنه لو كان الذي معهما لا يسعهما، ولا فضل عن قدرها، لما أمرها بإنالة شيء من ذلك لأحدهما، إذ في ذلك إدخال الضرر، بل إسقاط الواحد منهما، لما يسعه الفضل، إشارة إلى سقوط الجميع مهما لم يفضل عن قدرها، إذ لو لزمها ذلك في الواحد مع ذلك بحق الجوار، لزمها في الاثنين والثلاثة والأربعة إلى انتهاء الأربعين، وذلك ما ليس في وسع الناس جميعاً، إلا نادراً من الأوقات من خصوص الناس، ولو كان ذلك، لضاق على الناس الخناق في شراء الفواكه والمطبوخات [628] ولكن بسقوط الواحد منهما مهما لم يكن فيه فضل، له دليل على سقوط الكل مهما لم يكن فيه [فضل] لأحد لذلك، ولأنه إذا لم يكن فيه فضل عن قدره وقدر له، وخرج بهم النوال من ذلك الواحد إلى حد الضرر، كان عليه رفع أقرب الضررين، لأن الغبار يضر بالأقرب ما لا يضر بالأبعد، ولمعنى هذا الاعتبار، أمر النبي صلى الله عليه وسلم عائشة رضي الله عنها: بإيثار الأقرب بذلك الفضل، وإذا كان ذلك في الجوار، كان رفع الضرر عن من في الدار واجب، والبدء بهم ألزم، لأنهم أقرب إليه من كل قريب منه بالجوار، وكان عليه أن لا يعدو بذلك عنهم إلى غيرهم، إلا ما كان فاضلاً عن مقدار مالا يضر بهم إخراجه، لأنه إذا لم يبق لهم مقدار الكفاية، ربما تبقى قلوبهم متعلقة بذلك، فيدخل عليهم من أجل ذلك المضرة، وقد كان عليه زوالها بما قدر، وهو على إزالتها بترك ذلك قادر، وله في ذلك العذر، وإن لم ينل أحد من جيرانه شيئاً من ذلك في هذا الموضع، ولو ظهر الغبار، وفاحت الرائحة، لأن ذلك حجاب مانع له من ذلك، لا يجوز له هتكه، لأنهم أوجب، وحق عليه، وأقرب كل جار إليه، إذ الجار خارج عن الدار، وهؤلاء في والج الدار، فهم أقرب الناس إليه، وحقهم أحق من كل ذي حق عليه، حتى أنهم قالوا: إن ليس للديان عليه، إلا ما فضل عن عوله وعول من يلزمه عوله، ولما كان الدين من الحقوق اللازمة عليه، كما أن حق أولئك لازم عليه، إلا أنهم كانوا هم الأحق من الديان بما في يده من العروض، ولم يكن له إلا ما فضل
118