الصحيفة القحطانية حميد بن محمد العبيداني، الشهير بـ "ابن رزيق"

الجزء الرابع

الجزء ٤ · صفحة ١٢٧

عمره، على ما كان من ذنبه الموجب لهبوطه من جوار ربه وغيره في ذلك من العبيد ممن له قلب، أو ألقى السمع وهو شهيد، كذلك لا سيما من البرية كل ذي مرتبة عليّة من أرباب العقول، فإنه على قدر الصعود يكون النزول، ومن نظر بعد

المعرفة لربه ولنفسه ودنياه وأخراه إلى قرب المسافة، صار في رجاه على مخافة، وطوبى لمن خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى، فإن الجنة هي المأوى، وإن يكن الأخرى خسر الدنيا والآخرة، لأن من فاته عز العزيز لخروجه عن الملجأ الحريز، فيصير إلى ذل مصيره بقبح تقصيره أويظن أنه يجد له معين على دفعه في حين، وماله في الآخرة لقبح التقصير من ولي ولا نصير، فذر الكبير، واحذر الصغير، وعجل في التوبة الخلصاء من كل حوبة، ولا تقم على الإصرار في شيء من الأوزار وابك بعد المتاب، على ما كان منك من العصيان، عسى أن ينظر إليك مولى النعمة بعين الرحمة، ولا تصغ إلى عذل من أراد بك غير العدل، ولا تلتفت إلى قول من ينكر من فعل الصالحين، مالا يبصره، فإن الوجل من الله على قدر الألباب لا الزلل، وإن طاب العمل لقصر الأمل فترة المولى عما لا يليق به، وبالله التوفيق (1).

6

ولا تقولن ما ليس له به علم في نفي شيء، ولا إثباته، واعمل الله على الإخلاص لطلب الخلاص، ولا تعمل حتى تعلم، وإياك والأمن والقنوط، فإنهما من التفريط الداعي إلى الهلاك، والعياذ بالله من ذاك، وإن كان ما فيهما عن حكم الله، فدعهما إلى ما بينهما، فإن في الدين للناس طريقاً بين الأمن واليأس، هي طريق الرشاد لمزيد السداد، فلا تختر سواها، ولا تتعداها إلى ما عداها، وكن على حذر بالغ من غيرها لعدم خيرها، وعظم ضيرها، فإن من ورائها العذاب المهين من أمر رب العالمين، لمن لم يتب من العاصين، ولهذا مع الرجاء عظم خوف العارفين، فصار ألم [نار] الندم محرق لفؤاد كل تقي لبيب من العباد المتحكمين إلى الله، فلم يضر

(1)

الخروصي، جاعد بن خميس: مقاليد التنزيل وإدراك حقائق التأويل،

ص

330 - 329

124