الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ١٢٨مما كان منه خوفاً من العباد، فكيف لا يورثه على هذا كون البكاء والنوح مثل آدم ونوح وغيرهم من كل ولي في مولى ذي قلب زكي، وهم أعرف خلق الله بالله والنفس والشيطان والدنيا والآخرة جميعاً، وأعلمهم بالأمر والنهي، وأدركهم لمرارة المعاصي، ولذاذة الطاعة، إني لا أبعد على هذا أن يكون منهم ما قد حكى عنهم، وإن كان ذلك من الأنبياء على شيء من الصغائر، لأنهم منزهون عن الكبائر، فإنهم لقربهم وعظم شأنهم عند ربهم، لكثرة الاجتهاد [633] عن محض الوداد كان بالفؤاد، وصحة بواطنهم لطهارة قلوبهم، وتمكنهم لصفاء أذهانهم من دونه سوم المخالفة لغير الحق، وإن كان فيما هو من الشعر أدق، ومن الماء أرق، ويرونها على حال كالرواسي من الجبال فيشمئزون منها، وتقشعر جلودهم لذكرها، وقبح أمرها، وثقل أصرها، لا كمن يراها مثل ذباب وقع بأنفه، فأطاره، ثم نسيه في موضع ما يكون الله محصيه على من أرتاه، فيجزيه به شراً، فيجزيه في يوم القيامة [يوم لا ظلم فيه كلا بل قد جلى ألبابهم من العمى بأنوار الهدى، فهم يرون الانحطاط عما كانوا به في المنازل العلية أعظم بلية، وأشد رزية، تقتضي كون العويل في زمن [العمر] الطويل ضرورة، لا يقدرون على دفعها، ولا الفرار منها، ولا التحول عنها، وبعد كون المخالفة المكدرة لعين الصفاء في حق أهل الوفاء، كلما ذكروها تجدد لهم بها تذكار دينهم، فأوى بهم خوفاً من فأشتدّ
ربهم،
من ذلك
الخشوع، وزاد السجود والركوع، وكثر الحنين، وطال الأنين، وعلا الزفير، لقوة لواعج ضرامها في الصدور، ولا بأس، فإن لهم فيه بدل الوزر أعظم الأجر، لأنهم على صراط مستقيم، فلا يريدون به إلا وجهه الكريم، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، فإن تشرب من فضل كأسهم يوماً، وإلا فدع عنك المدا على سبيل الإنكار، لما جاء في الأخبار من أحوال الأنبياء وغيرهم من الأولياء، بغير علم في شيء من جميع ما روي عنهم، وأمكن مجاز أن يكون منهم، فإن من طلب العلا من العبيد، لم يقنع في حين، إلا بالمزيد فكيف بقوله على النقص قرار، أو يهنأ بعيش أو تلذ له دار، ولو من دونه عند من كان من أولي الألباب على الصحيح، نزع
125