الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ٢٠٨الأولى: سلامة الحال خير من فناء المال والثانية من بقاء المال، والثالثة: بفناء المال، يخفض الباء وإشباع خفضه ومال إليها، وهي التي أثبتها وتمام البيت ففرق الهم من كثر وإقلال.
فقال السائل: أما قوله خير من بقاء المال، فقد فهمنا، وأما معنى [679] قوله خير من فني المال، فإنه لم يتضح لنا تأويله، إذ فناء المال ليس هو شيء حسن، حتى يكون سلامة النفس منه، وإنما يصح له أن لو صح النظم بقول: سلامة الحال خير من سلامة المال، ولكن يختل عليه النظم، وقوله سلامة الحال خير من بقاء المال، يقرب من معنى ذلك، وكذلك معاني الوجوه الأخرى، وهي مفهومة، وهل هذا البيت فيه كثرة معاني، وهل هو دلّ على القضية، حتى يصلح لأن يكون بلاغة مطلع في
ذلك؟
فكان الجواب مني له أنه ليس كل حكمة من الكلام يفهم معناها على البديهة، أو تحيط بجميع ما تضمنته من المعاني، عقول أكثر العوام، فإنما ينطبع فحول العلماء في ذلك، ولا بد من معرفة قانون الحكمة في تركيب الكلام لنظم المعاني المقصودة به، فيه كل شيء في موضعه، بعد فهم كل كلمة ما تدل عليه من المسميات بها، فكلمة خير معناها مفهوم متصور، وقد تكون فاصلة بين شيئين أحدهما الأخير، كقولك الطاعة الله، خير من معصية المولى جل وعلى، وقد تكون تفضيلية، فستعمل في شيئين فاضلين، أحدهما الأفضل من الآخر، كقولك تعلم الواجبات قبل وجوبها خير من الاشتغال عنها بكثيرة صلوات التطوع لغير الرؤيات، أي أفضل وأشرف للمرء وأعلى درجة وأجلّ كقوله صلى الله عليه وسلم خير موضوع، أي أشرف الفضائل، ولكنه كلام محمد، يحتاج إلى التأويل والتخصيص فيما لا يعمه، وقد تكون وصفه، فيتم لها الكلام كقوله تعالى: {يؤتى الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً وما تذكر إلا أولوا الألباب (1)، وقد تكون وصفه فيها دلالة على صفة
205
سورة البقرة، الآية 269.
(1)