الصحيفة القحطانية حميد بن محمد العبيداني، الشهير بـ "ابن رزيق"

الجزء الرابع

الجزء ٤ · صفحة ٢١١

ولكن

يمنعه ويكفه عن ظلمه، فلم يكفّه، ولم يمنعه، وفي الحقيقة أنه لم يقدر ذلك الظالم، إلا بالاستطاعة، التي جعلها فيه جل وعلى فتدبير الله هو الأفضل، والمفعول فيه راجع حكمه إلى حكم منزلته، إن كان على طاعة الله حقاً، فذلك الأمر الواقع في نفسه أو ماله، فهو خير له فلا تصح سلامة النفس له على الموت خير من بقاء ماله على كل حال إلا إذا كان الواقع عليه كذلك، وإن أريد بالسلامة رضي الله عنهما، فهو وجه صحيح، وإن كان هذا بمعنى الأمر للمخاطب بالبذل للمال، وأراد به التعزية لما فات، والشكر له على فعله، فإن كان على خلاف الشرع، فلا خير في ذلك إلا أن ذكر السلامة للحال دال على أنه على قانون الشرع، فهو وجه صحيح، ولا قوله: خير من بقاء المال يتوجه المعنى أن لا يبقى منه شيئاً، فيدل معنى اللفظ على سلامة الحال، هي خير للمرء أن لا يبقى لها في حياتها، مال، بل ينفذ كله، وإن هذا هو الأفضل لها، إذ ليس في الكلام من دليل على التبعيض، ولا يصح هذا على كل حال، وإنما يصح إذا كان عليه فيه حقوق، ولم تسلم نفسه إذا بقاء المال ولم ينفذ ما عليه، فيصح قوله: سلامة الحال أيها المرء خير لك من بقاء المال، إذا كان في بقائه هلاكك نفسك، أو كان قد ذهب عليه المال في معاصي الله تعالى، وهو عليه دون نفسه حزين، فيقول له المخاطب: قم إلى الله وتب إليه، فإن سلامة نفسك خير لك من بقاء مالك بعد ذهابه فعليها دونه وكان ينبغي إطالة حزنك.

ووجه ثالث: أنه ليس في هذا اللفظ معنى مصرّح بأمر، ولا تعزية، ولا شكر، ولا على أن النفس سلمت دون المال، ولا على أن المال سلم دون الحال، ولا على سلامتهما معاً، ولا فنائهما معاً، فلم يفد المقصود، وما كان غير مفيد، فليس هو بحكمة عليه، إذ يمكن أن يكون النفس هلكت وبقاء المال، فيقال: كانت سلامة النفس خير لك من بقاء المال، ويمكن أن يكون المال قد فناء، وسلمت النفس، فيقال: الحمد لله الذي سلم النفس، فسلامة النفس خير من بقاء المال ويمكن أن يكون قد سلما جميعاً، فيقال: الحمد لله الذي سلمهما، مع أن سلامة النفس منهما خير من بقاء المال، [682] ويمكن أن يكونا قد هلكا جميعاً، فيقال على سبيل التحسر: ليتهما

208