الصحيفة القحطانية حميد بن محمد العبيداني، الشهير بـ "ابن رزيق"

الجزء الرابع

الجزء ٤ · صفحة ٢١٣

شربت من النهر، وقد يجوز حذفه في شيء، ولا يصح في شيء، وأكثر مواضع من يأتي على حقيقة التبعيض، وإن لم يجز حذفه أو جاز، فقولك: أكلت من هذا الطعام، [683] يصح أن تقول: أكلت بعد هذا الطعام فصار حرف من قائماً مقام كلمة بعض في بعض من المواضع، ولا يصح حذفه من قولك: جئت من العراق، وفي الحقيقة أنه تبعيض، لأنه يصح في كل هذا، وإن لم يخرج إلا من موضع من العراق، ولو كنت قد سرت إليها، ولم تدخل إلا خطوة واحدة من باب العراق وصح قولك: واسم العراق يخص الكل، ولا يصح التبعيض في كل موضع مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: (العورة من السرة إلى الركبة)، فاسم السرة يعمها كلها، ولا يصح تبعيضها، فإن قلت ما الفرق؟ قلنا لأنك جئت من أول بقاعها من الجانب الآخر، يصح قولك من العراق، فيمكن أن يكون أراد النبي، صلى الله عليه وسلم، بقوله من السرة، أي من أولها ومن أعلاها، فجرى الحكم على ما صح إدخاله في كلامه، صلى الله عليه وسلم، فإذا علمت ذلك أن جميع المتوغلين في الأشياء الغامضة الدقيقة من علماء أهل الشريعة والحقيقة، وأهل العلوم الغامضة الدقيقة، والحكماء، وأهل البلاغة في الفصاحة، والشعراء، وأهل الصنائع، لا يعجزون بعضهم بعضاً، إلا بالاختراع ما كان غريباً حسناً معجباً من فنّه، لم يسبق إليه أحد من قبله فيه، وإن كان قد سبقه، ولم يكن معروفاً مشهوراً، ولم يأخذه من غيره، وإن ما اخترعه من بصيرة نفسه، فلا بأس، فذلك من حكمه واختراعاته ومعجزاته، إذا كان مفيداً محكماً، أمره بكمال قانون الحكمة في ذلك الفن، وكان في حقه من خرق العادات، عند من عجز عن الإتيان بمثله، فيستحق بذلك المدح والثناء، ووصفه به أنه عليم حكيم فيه، فالحكيم فوق مرتبة العليم، وقد يمكن أن يكون المرء عالماً بالشيء، ولا يحكم صناعته، فلا يقدر على إتقانه في الصناعة، كمن شهد ببصره خطاً حروفه في غاية الحسن والكمال، وأحكم تصوره في نفسه، ولم يقدر على أن يصوره عملاً بيده فهو عليم بحسن صور الحروف، وغير حكيم فيها، وكذلك من علم جميع آلات نظم الشعر، ولم يستطع النظم أو استطاعه، ولكن

210