الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ٢١٤(1)
لا يستطيع أن يحكمه على قدر قوة علمه والثناء والمدح يستحقه العليم، ولكن الحكيم أحق به، وأعظم أمره في النفوس، فيرى كل حكيم في العلم والكلام تارة، يأتي بكلام مفهوم ظاهره متصور معناه، ولكن في باطنه معاني جليلة تدق على الإفهام، إلا على العلماء والأعلام بقوة الفكر وسهر الليالي والأيام، وتارة يأتي بكلام لفظه غير بعيد في الظاهر، ولكن معانيه ملتوية ومتداخلة في بعضها بعض، كلما أطال الفكر فيها تلاشى عليه فكره قبل فهمها، وذلك لغموض المعنى الذي ضمنه فيه، [684] لا عن تعمد في إخفائه، وتارة يأتي من كلم ظاهر متناقض المعنى، أو على غير الوجه الصحيح، وفي باطنه الحكمة المفيدة العلية، وغالب آيات القرآن العظيم على هذا الصراط الكريم قوله تعالى: (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي) ()، أي أمر رباني، ولم يخصص الروح بهذا الوصف إلا لأمر غامض، متى فكر فيه العلماء المكاشفون كاشفهم الله ببعض معاني ذلك، وقوله تعالى: {إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون (2)، كما أمر، فتصبح أن له معنى غير ما تفهمه العوام، وقال سبحانه وتعالى والله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية، يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور (3)، ولو قال: مثل نوره كمثل الشمس في الآفاق، لكان أيضاً مثلاً، وكان أعظم إشراقاً ونوراً، ولكن الباري جلّ وعلى لم يضرب المثل هنا لقوة الإشراف، وإنما كان مثله للتمثيل لا للمثال، فإنه لا مثل لنوره في قلب عبده المؤمن، أو قلب نبيه محمد، صلى الله عليه وسلم. فالمراد به التمثيل والتوهيم، فنوره أعظم من الشمس إشراقاً، فلا يصح المثل بها، وهو ضرب بالشمس بضربه للتوهم، أن المراد به أعظم إشراقه، ولما دل أنه أعظم، وبتركه ضرب المثل بالشمس، وضربه بما هو
211
سورة الاسراء، الآية 85.
سورة ياسين، الآية 82.
سورة النور، الآية 35.
(1)
(2)
(د)