الصحيفة القحطانية حميد بن محمد العبيداني، الشهير بـ "ابن رزيق"

الجزء الرابع

الجزء ٤ · صفحة ٢١٦

تعلمون، كان جوابهم إنا نعلم أن ورائنا حساباً وعقاباً وثواباً وجنة وناراً، وإن الجنة لمن أطاعك والنار لمن عصاك، فكان جوابه لهم كلاً، أي كذبتم في ذلك، لو تعلمون علم اليقين (1)، لصورتم الجحيم بعقولكم، ولئن جرتم عن معاصيكم، وإنما يحكى لهم، إذ يمكن أن يكون قولهم ذلك بلسان الحال من قبح أعمالهم، فأفهم ذلك بيان، وإذا فهمت هذا كله، فاعلم أن قول هذا الناظم: سلامة الحال خير من فناء المال، هو على معاني كثيرة، وفيه تقدير محذوف، ويصح تأويله على وجوه شتى، وإذا صح له معاني متوافقة متشاكلة مفيدة بفوائد عليه، كانت من معجزات النظم، وكانت حكمة باهرة، إذ ظاهره لم تفهمه عقول العوام، ولم يعسر عليه فهمه، إلا أن معانيه من غوامض المعاني الحقيقية، التي لا يقدر على اختراعها، إلا من أهل لذلك، ويدخل في معانيه المعاني المقصودة، وهى الأمور الواقعة المشار إليها، وهكذا شأن العلماء الحكماء في الكلام، يدخلون في كل مبهم كثيراً من المعاني، ما هو قاصدها، وما هي خارجة عن المقصد، فيفيد بفوائد أخرى جليلة، الوجه الأول: الذي هو غير مقصود بإشارة النظم إليه، فيتوجه معنى اللفظ أن يكون مع المرء مال لأعدائه، ويزيد فناه عليهم بإتلافه، فيقبضون نفوساً من أصحابه، إن أتلف المال أتلفوهم، وإن سلم سلموهم، فيقول هذا المخاطب: دع عنك فائدة فناء هذا المال، ويدخل في الحكمة الشرعية فيمن يتلف أمواله، لطلب العز والجاه من الناس، وفيه ذل النفس، يدل الإعدام والفقر، أو العقاب في الآخرة بما يفعله في أمواله، فيقول المخاطب له: سلامة نفسك من ذل الفقر، وهلاك الآخرة خير لك من فناء المال في طلب عز لا تناله إلا بالغنى، أن فيه الفقر وذل الإعدام، [686] وفيه هلاك نفسك في الآخرة، وهو معنى صحيح متشاكل لفظاً ومعناً.

والوجه الثاني: أن يكون موضع خير هنا خيره تام من فناء المال مبتليا لمعنى آخر معطوف على الأول، والمعنى فى ذلك، أن سلامة الحال هو خير كثير

213

سورة التكاثر، الآية 5.

(1)