الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ٢٤٠فلسين، فدعا بالمزين وأمره بحلق رأس أحد من الشبان أو أكثر من واحد، ودفع له أجرة ذلك، وقال له هذه الأجرة هي الغرامة التي تحتاج لعمارة هذه، فعمل عمله، وعملت الأرض مدينة عظيمة من المدن بتلك الأجرة والغرامة التي دفعها المزين ففي هذه القصة أعظم الدلالات وفي النظر أنها تحتاج إلى أكثر من تلك الغرامة، لأنها تحتاج إلى أواني، وقيام المدبر بكل ما يحتاج إليه، فأعرف ذلك، وإن شئت تنظر إلى كتاب مجد بن زكريا، حيث ذكر: إنه اتصل بالهمذاني (1)، وألقي أكسيره على مائه، وأعجب بنفسه، وكان الحكيم محمد معه، فأخرج أكسيره وكان لا يخلو نفسه من مقدار البلاطة، فحك في درهم قليلاً، وأدخله الحما، فانقلب نحاساً أحمراً، فقال: اذهب الفضة التي لك، فإذا بها، وألقى عليها ذلك الدرهم، فصار الجميع ذهباً أحمراً، فقهر الهمداني منه، ونظر إلى الجلدكي، فقال: هل يذكر الشعر في التدابير الحيوانية؟ كلا لا تجده يذكرها، لأنه كشف أكثر منهم التدابير، وأظهر الحكمة كلها في الأحجار، وإن كان كذلك، فلم ينكر على الطغرائي، إذا ذكر تدابير الحيوانية بالأحجار، وكلا الحكمين في طريق واحد، والسلام.
واعلم أن الزئبق المعدني لا بد منهما بعد تمام الأكسير، لأن الذهب يلف به الأكسير عند الطرح والزئبق هو الأكسير، ولكنه يحتاج إلى دهنه ينسبك فيها وبها، وليس هي غير دهنة الأكسير، وهي الأكسير بعينه. وانظر إلى تدبيره للملح المر، من كتاب البرهان، أنه يسبك مع الذهب، ثم يعد بمثالها ألف مثقال من الزئبق يصير ذهباً أكسيراً أحمراً، وفي الأصل عكس الآخر، لأن الصح أن يلقي الأكسير على الزئبق قبل ذلك، ثم إن شاء، يلقيه على الذهب، فيصير الذهب أكسيراً، لأنه من
(1)
الهمذاني:: الحسن بن أحمد بن يعقوب (280 - 1334 هـ / 893 - 9450) م، من بني همدان، أبو محمد، مؤرخ، عالم بالأنساب، عارف بالفلك والفلسفة والآدب من أهل اليمن، ولد ونشأ في صنعاء، وطاف البلاد، واستقر بمكة زمناً، وعاد إلى اليمن، فأقام في مدينة صعدة، من تصانيفه: سرائر الحكمة" و "الزيج" و "الجوهرتين" في الكيمياء والطبيعة. انظر الزركلي، خير الدين: الأعلام، ج 2، ص 179.
237