الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ٢٤٢يسمع
وذلك وفي جملة من سائر العلوم، فهو يبهر من كان يسمع من ذلك، قبل أن منه ذلك، كما أنه يبهر من سمع منه، إذا سمع منه، ثم أنه في أغلب أوقاته وأركانه،
لا يحمل سلاحاً، حيثما يمضي إلى البلدان النائية والدانية، وما أجدره وكلام الحريري في مقاماته لأهل البصرة، وإن سلاح الناس الحديد، وأسلحتكم الأدعية والتوحيد، فلا يطمع فيه عدو بفتك، ولا بمجاهرة جلاد، ومن المشهور أنه أقام ببلدة نزوى عمان [706] جماً من الزمان، فكمنوا له في بعض الليالي، ثلاثة رجال من أعدائه، الذين لا يحبون حياته على قارعة الطريق، التي هي أكثر مروره عليها إلى بيته، وقد خرج من بيته زائراً بعض المشائخ، من أهل نزوى الساكنين العقر، وهو في ذلك الزمان يسكن أعلى نزوى، من محلة الكندة، فلما مر عليهم، وهو لم يشعر بهم، ولم يكن بيده سيف ولا، رمح، ولا مدية، ولا شيء من سائر الحديد، نهضوا إليه جهدهم أن يصرعوه على الأرض، فيقتلوه، فلما صارعوه صرعهم، وألقاهم على الأرض كل واحد فوق صاحبه، فلما أصارهم في وهن وذل مفرط، تركهم، ففروا عنه فرار الغنم من الذئب. ومما أنا شهدت من شأنه القوي في الشجاعة والسطو، أنه لما سكن بلدة مسقط، اشترى بيتاً مبنياً بالحجر والطين، محلة ميابين، فمضيت إليه ذات ليلة مظلمة، قد أخفت السحب بدرها وكواكبها، فلما انتهيت إلى باب بيته، شهدت رجلاً قد ألقى على رأسه قباء، وهو الذي تسميه العامة المنسول، وفي يده سكين طويل، فعرفت ذلك الرجل أنه سلام البحري، وقد كان عدواً للشيخ، ويريد أن يفتك به على ما تروي الناس عنه، لمقدمات حروب جرت بين المشائخ بني خروص، وبني بحري، فلما دخلت على الشيخ، وأخبرته الخبر، لم يتمالك أن خرج إليه بغير سلاح، فخرجت أركض إثره، فإذا سلام يركض منه هارباً، والشيخ يمشي إثره رويداً رويداً، فأخذت بيد الشيخ، ورجعت به إلى بيته، فسامرته بعد ذلك، حتى انقضى هزيع من الليل، ثم رجعت بعد ما ودعته إلى منزلي، وأما سلام، فلم يمكث بعد ذلك في مسقط، إلا أياماً قلائل إلى أن رجع إلى العليا، وما لبث فيها إلا قليلاً، إلى أن قتل.
239