الصحيفة القحطانية حميد بن محمد العبيداني، الشهير بـ "ابن رزيق"

الجزء الرابع

الجزء ٤ · صفحة ٢٤٤

ثم مضى إلى بيته، فشيعته إلى داخله وأغلق بابه، فبت أصوغ الفكر فيه وأكثر، وما شككت أن الذي رأيته منه الموسرة من أسراره التي يخفيها على الناس.

ومن أسراره السارية للأذهان بلوامع البرهان، أني كنت ذات جالساً يوم في مسجد الشيخ عبد الله بن محمد الأغبري، الذي هو مطابق لدكان الصياغة، ومقترب من الباب الكبير، من بلدة مسقط، متوقفاً لصلاة العصر، إذ أقبل خميس بن جديد البهلوي المعروف بالشاطر، فجلس إلى جانبي، وجعل يشكو إلي من الشيخ أبي محمد بن الشيخ العالم العلامة أبي نبهان، ويذكر أن له حقاً على الشيخ أبي محمد، وهو يماطله في التسليم، ثم قال لي مع جملة كلامه أنه: إن لم يعطني حقي في هذا اليوم، لأشكو مع الحكام، وكان خميس الشاطر المذكور رجلاً مهداراً في الاحياء له، فما كان إلا يسيراً، إذ سمعنا الشيخ أبي محمد يتكلم جهراً لرجل، لم أثبت صورته، فركض خميس إليه، وركضت إثره، فوالله ما رأى كلانا الشيخ، ولا علمنا أين سلك، هو والرجل الذي يخاطبه، فجعله خميس يركض يميناً وشمالاً، وأنا كذلك، فما رأينا الشيخ، ولا صاحبه الذي يخاطبه، وكل من عنه سألناه، قالوا لنا: ما رأيناه فعجبت، وعجب خميس مثلي من ذلك، فلما كان باليوم الثاني، مضى الشيخ إلى خميس وأعطاه حقه تماماً، ومن أسراره السارية للأذهان بلوامع البرهان، لقد انهل ذات ليلة [708] من سحاب متراكم مطره شديد كانصباب الماء من أفق القرب ببلدة مسقط، فلم تر إلا بروقاً، لوامعاً، ولا تسمع إلا بادزام رعود تدهش القلوب والجوانح، وكنت أنا في تلك الليلة ببيتي الذي هو داخل الحلة المسورة، المقترب من باب الكبير من بلدة مسقط، فخشيت على أهلي الذين على شفير الوادي من الحلة

الخارجة من السور، أن يحملهم الوادي إلى البحر، لما سمعت من الحنين الباهر، فمضيت إليهم، وأكثر جدر البيوت التي مررت عليها تتساقط من شدة المطر، ولم أهتد للسعي إلا بوميض البرق، فلما انتهيت إلى الباب الصغير من الحلة الداخلية، رأيت ماء الوادي قد استغرق دكانتي الباب، ثم مضيت، ومضى معي الشيخ ناصر بن محمد الجابري الذبياني، فلما أشرفنا على الوادي، رأيناه لا يُخاض، فارتقينا

241