الصحيفة القحطانية حميد بن محمد العبيداني، الشهير بـ "ابن رزيق"

الجزء الرابع

الجزء ٤ · صفحة ٢٦٥

عاتكة بنت يزيد بن معاوية أن لا يخرج بنفسه، وأن يستنيت غيره في حربه، ولم تزل تلح عليه في المسألة، وهو ممتنع في الإجابة، فلما يئست منه، أخذت في البكاء، حتى بكى من حولها من جواريها، فقال عبد الملك: قاتل الله بن أبي جمعة يعني كثير كان رأى موقفنا هذا، حيث قال:

إذا ما أراد الغزو لم تثن عزمه

نهته، فلما لم تر النهي عاقه

حصان عليها نظم دُرّ يزينها

بكت فبكى مما شجاها قطينها (1)

ثم عزم عليها أن تقصر، فأقصرت وخرج لقصده ويقال: إن عزة دخلت على أم البنين ابنة عبد العزيز، وهي أخت عمر بن عبد العزيز، وزوجة الوليد بن عبد الملك الأموي، فقلن لها: أرأريت قول كثير (2):

قضى كل ذي دين فوفى غريمه وعزة ممطول معنى غريمها (3) ما كان ذلك الدين؟ قالت: قبله وعدته إياها، فتحرجت منها، فقالت أم البنين: أنجزيها وعلى إثمها. وكان لكثير غلام بالمدينة، فأعطى عزة، وهو لا يعرفها، شيئاً من العطر، فماطلته أياماً، وحضرت إلى حانوته في نسوة، فطالبها، فقالت: حباً وكرامة، ما أقرب الوفاء وأسرعه، وأنشد متمثلاً:

قضى كل ذي دين فوفي غريمه وعزة ممطول معنى غريمها (4) فقالت النسوة: أتدري من غريمتك؟ فقال: لا والله، فقلن: هي والله عزة، فقال اشهد الله تعالى، إنها في حل مما لي قبلها، ثم مضى إلى سيده، فأخبره بذلك، فقال كثير: وأنا أشهد الله أنك حرّ لوجه الله تعالى، ووهبه جميع ما له في الحانوت من العطر،

(1)

انظر الأبيات في شرح ديوان كثير عزة، شرح وتحقيق رحاب عكاوي، ص 238. (2) ابن خلکان، شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر: وفيات الأعيان، ج 4، ص 108. (3) قضى كل ذي دين دينه أراد قضاءه وعزة ممطول معنى غريمها

انظر: شرح ديوان كثير عزة، شرح وتحقيق رحاب عكاوي، ص 211. (4) ابن خلكان، شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر: وفيات الأعيان، ج 4، ص 108.

262