الصحيفة القحطانية حميد بن محمد العبيداني، الشهير بـ "ابن رزيق"

الجزء الرابع

الجزء ٤ · صفحة ٢٨٧

الدولة أحمد بن بويه (1)، وقد صورت حاله أن يرد، حضرته، وهي دار الخلافة، ومستقر العز، وبيضة الملك، رجل صدر عن حضرة سيف الدولة بن حمدان، وكان

عدواً مبايناً لعز الدولة، فلا يلقي أحداً بمملكته يساويه في صناعته، وهو ذو النفس الأبية، والعزيمة الكسروية، والهمة التي لو همت بالدهر، لما تصرفت بالأحرار صروفه، ولا دارت عليهم دوائره وتخيل الوزير المهلبي، رجماً بالغيب، أن أحداً لا يستطيع مساجلته، ولا يرى نفسه كفؤاً له، ولا يضطلع بأعبائه، فضلاً. عن التعلق بشيء من معانيه، وللرؤساء مذاهب في تعظيم من يعظموه، وتفخيم من يفخموه، وربما حالت بهم الحال، وأوشكوا عن هذه الخليقة الانتقال، وتلك صورة الوزير المهلبي في عودة عن رأيه هذا فيه، ولم يكن هنالك مزية يتميز بها أبو الطيب عن الهجين الجذع من أبناء الأدب، فضلاً عن العتيق القارح، إلا الشعر، ولعمري إن أفنانه كانت فيه رطبة، ومجانيه عذبة، فنهدت له متتبعاً عواره، ومقلماً أظفاره، ومذيعاً أسراره، وناشراً مطاويه، ومنتقلاً من نظمه تسمح فيه، ومتحيناً أن تجمعنا دار يشار إلى ربها، فأجري أنا وهو في مضمار، يعرف به السابق من المسبوق، واللاحق من الملحوق المقصر عن اللحوق وكنت إذ ذاك ذا سحاب مدرار، وزند في كل فضيلة وار، وطبع يناسب صفق العقار، إذا وشيت بالحباب، ووشت بها سرائر الأكواب، هذا وغدير الصبا، صاف ورداؤه، ضاف، وديباجة العيش غضة، وأرواحه معتلة، وغمائمه منهلة، وللشبيبة، شرة، وللإقبال من الدهر غرة، والخيل تجري يوم الرهان بإقبال أربابها، لا بعروقها ونصابها ولكل امرئ من حظ من مواتاة زمانه، يفضي في ظله أرب، ويدرك مطلب، ويتوسع مراد ومذهب، حتى إذا عدت من اجتماعنا عواد من الأيام، قصدت مستقرة، وتحتي بغلة سفواء، تنظر من عيني باز وتتشوف بمثل قادمتي نسر، وهي مركب رائع، كأنني كوكب، وقاد من تحته غمامة، يقتادها زمام الجنوب، وبين يدي عدة من الغلمان الروقة، يتهافتون

(1)

6

معز الدولة أحمد بن بويه (303 - 356) هـ: أحمد بويه بن فناخسروا بن تمام، من سلالة سابور ذي الأكتاف الساساني. أبو الحسن، معز الدولة، ملك من ملوك بني بويه في العراق، فارسي الأصل مستعرب، كان في أول أمره يحمل الحطب هلى رأسه، ثم ملك هو وأخوه "عماد الدولة" و"ركن الدولة" البلاد، توفي ببغداد سنة 356 هـ، ودفن في مقابر قريش. كان حديداً سريع الغضب بذيء اللسان، يكثر سب وزارته والمحتشمين من حشمه ويفتري عليهم. انظر: الزركلي، خير الدين: الأعلام، ج 1، ص 105.

284