الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ٢٨٨تهافت الدر عن أسلاله. ولم أورد هذا متبجحاً ولا متكبراً بذكره [726]، بل ذكرته، لأن أبا الطيب شاهد جميعه في الحال، ولم ترعه روعته، ولا استعطفه زبرجه، ولا زادته تلك الجملة الجميلة، التي ملأت طرفه وقلبه، إلا عجباً بنفسه، وإعرام اضا عني بوجهه، وكان قد أقام هناك سوقاً عند إغيلمه، لم ترضهم العلماء، ولا عركتهم رحى النظراء، ولا أنضوا أفكاراً في مدارسة الأدب، ولا فرقوا بين حلو الكلام ومره وسهله ووعره، وإنما غاية أحدهم مطالعة شعر أبي تمام وتعاطى الكلام على نبذ من معانيه، وعلى ما نقلت الرواة مما يجوز فيه، فألفيت هناك فيه تأخذ عنه شيئاً من شعره، فحين أُذن بحضوري، واستؤذن عليه لدخولي، نهض عن مجلسه عاً، ووارى عني شخصه مستخفياً، وأعجلته نازلاً عن البغلة، وهو يراني لانتهائي بها إلى حيث أخذها طرفة، ودخلت، فأعظمت الجماعة قدري، وأجلستني في مجلسه، فإذا تحته أخلاق عباة، قد ألحت عليه الحوادث، فهي رسوم دائرة وأسلاك متناثرة، فلم يكن الأمر إلا ريثما جلست فأتانا، فنهضت، فوفيته حق السلام غير مشاحٍ له في القيام، لأنه إنما اعتمد بنهوضه عن الموضع، ألا ينهضوا إلي، والغرض في لقائه غير ذلك، وحين لقيته، تمثلت بقول الشاعر (1): وفي المشي إليك علي عار ولكن الهوى منع القرارا (2)
مسر
فتمثل بقول الشاعر:
تشقى الرجال ويشقى آخرون بهم
كالصيد يحرمه الرامي المجيد وقد
ويـ
سعد الله أقواما بأقوام
يرمي فيحرزه من ليس بالرامي
(د)
وإذا به لابس سبعة أقبية، لكل قباء منها لون وكنا في غرة القيظ وجمرة الصيف في يوم تكاد دوامغ الهامات تسيل فيه، فجلست مستوفزاً، وجلس محتفزاً، وأعرض لاهياً، وأعرضت ساهياً، أؤنبُ نفسي في قصده، واستخف رأيها في ملاقاته
عني
(1)
(2)
ابن خلكان، شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر: وفيات الأعيان، ج 4، ص 364.
285
364
265
المصدر نفسه، ص
(3) المصدر نفسه، ص