الصحيفة القحطانية حميد بن محمد العبيداني، الشهير بـ "ابن رزيق"

الجزء الرابع

الجزء ٤ · صفحة ٢٩٠

سورتك، استأن، فإن الأناة من شيم مثلك، فأصحب حينئذ جانبي له، ولانت عريكتي في يده، واستحييت من تجاوز الغاية التي انتهيت إليها في معاتبته، وذلك بعد أن رضْتَهُ رياضة الصعب من الإبل، وأقبل عليّ معظماً، وتوسع في تقريظي مفخماً، وأقسم أنه ينازع منذ ورد العراق ملاقاتي، ويعد نفسه بالاجتماع معي، ويسوفها التعلق بأسباب مودتي. فحين استوفى القول في هذا المعنى، استأذن عليه فتى من فتيان الطالبيين الكوفيين، فأذن له، فإذا حدث مرهف الأعطاف تميل به نشوة الصبي، فتكلم، فأعرب عن نفسه، فإذا لفظ رخيم ولسان حلو وأخلاق فكهة وجواب حاضر، وثغر باسم فيه أناة الكهول، ووقار المشايخ، فأعجبني ما شاهدته من شمائله، وملكني ما تبينته من فضله، فجاراه أبياتاً، ومن هاهنا كان افتتاح الكلام في إظهار سرقاته، ومعايب شعره، وقد طال الكلام لكنه لزم بعضه بعضاً، فما أمكن

قطعه.

وهذه الرسالة، تشتمل على فوائد جمة، فإن كان كما ذكر أنه أبان له جميعها في ذلك المجلس، فما هذا إلا اطلاع عظيم، وقد سماها "الموضحة"، وهي كبيرة، تدخل في اثنتي عشرة كراسة شهدت لصاحبها بالفضل الباهر، مع سرعة الاستخضار وإقامة الشاهد وله كتاب حلية المحاضرة"، يدخل في مجلدين، وفيه أدب كثيرة أيضاً. وتوفي الحاتمي المذكور يوم الأربعاء، لثلاث بقين من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة، وذكر عن الحاتمي المذكور أنه اعتل، فتأخر عن مجلس شيخه أبي عمر الزاهد (1) المذكور في أول هذه الترجمة، فسأل عنه، فقيل إنه مريض، فجاء يعوده فوجده قد خرج الحمام فكتب على بابه باسفيداج (2):

(1) ،

(1) أبو عمر الزاهد (غلام ثعلب) (261 - 345) هـ: هو محمد بن عبد الواحد بن أبي هاشم، أبو عمر الزاهد المطرز البارودي، المعروف بغلام، ثعلب، أحد أئمة اللغة المكثرين في التصنيف. كانت صناعته تطريز الثياب، نسبته إلى باورد (وهي أبيورد بخراسان) صحب ثعلباً النحوي زماناً حتى لقب "غلام" ثعلب" توفي في بغداد سنة 345 هـ، له مؤلفات كثيرة منها: "الياقوتة" و"تفسير أسماء الشعراء" و "المدخل" في اللغة، و"يوم وليلة" و "أخبار العرب". انظر: ابن خلكان، شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر: وفيات الأعيان، ج 4، ص 329 - 333.

(2)

ابن خلكان، شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر وفيات الأعيان، ج 4، ص 365 - 366 - 367.

287