الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ٢٩٢فإنه سار بها المثل في البلاد، مسير قصيدة امرؤ القيس بن حجر، قفا نبكي، وما أخال أحداً يقدر أن يساجله فيها وفي هذا النموذج دلالة على علو درجته، وحن طريقته. وديوانه كبير، ولولا ما فيه من العلو في المدح، والإفراط المفضي إلى الكفر، لكان من أحسن الدواوين، وليس في المغاربة من هو في طبقته، لا من متقدميهم ولا متأخريهم، بل هو أشعرهم على الإطلاق، وهو عندهم، كالمتنبي عند المشارقة، وكانا متعاصرين، وإن كان في المتنبي مع أبي تمام من الاختلاف ما فيه (1).
قال ابن خلكان في وفيات الأعيان وما زلت أطلب تاريخ وفاة ابن هانئ المذكور في التواريخ التي يطلب منها، فلم أجد، وسألت عنه خلقاً كثيراً من مشايخ هذا الشأن، فلم أجده، حتى ظفرت به في كتاب لطيف، لأبي علي الحسن بن رشيق القيرواني (2)، سماه "قراضة الذهب"، فألفيته كما هو مذكور هنا، ونقلت من غيره من موضع آخر، رأيت بعض الأفاضل قد اعتنى بأحواله، فجمعها، وكتبها في أول ديوانه، وذكر مدة عمره، ولم يذكر تاريخ الوفاة، لأنه ما عثر عليه. ويقال أن أبا العلاء المعري، إذا سمع شعر ابن هانئ قال: ما أشبهه، إلا بالرحى تطحن قروناً، لأجل القعقعة التي في ألفاظه، ويزعم أنه لا طائل تحت تلك الألفاظ، ولعمري ما أنصفه في هذا المقال، وما حمله على هذا إلا فرطه وتعصبه للمتنبي. وبالجملة، فما كان إلا من المجيدين في النظم، والله أعلم؟ قلت: وأكثر أهل العلم بالسير، أنه
(1)
ابن خلكان، شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر: وفيات الأعيان، ج 4، ص 424. (2) الحسن بن رشيق القيرواني (390 - 463) هـ: الحسن بن رشيق القيرواني، أبو علي، أديب، نقاد، باحث، كان أبوه من موالي الأزد، ولد في المسيلة في المغرب، وتعلم الصياغة،، ثم مال إلى الأدب، وقال الشعر، فرحل إلى القيروان سنة 406 هـ، ومدح ملها، وحدثت فتنة فانتقل إلى جزيرة صقلية، وأقام بمازر إلى أن توفي سنة 463 هـ. له مؤلفات كثيرة منها: "العمدة في صناعة الشعر" و"قراضة الذهب" في النقد، و"الشذوذ في اللغة" و"نموذج الزمان في شعراء القيروان" و"ديوان شعره". انظر: الزركلي، خير الدين الأعلام، ج 2، ص 191.
289