الصحيفة القحطانية حميد بن محمد العبيداني، الشهير بـ "ابن رزيق"

الجزء الخامس

الجزء ٥ · صفحة ٤٧

"

تعرفها الأفهام، صنعة الأبازير من شواء وضعيف وقدير، وجعل لنا الأرز من مكان سحيق نعمة جليلة بتحقيق، فكيف إذا أضيف الأرز باللحوم وكشط السمن والأبازير والشحوم، وأنضج بنار لينه، وأترك ساعة هينه، ونقل من القدور إلى الصحون، وتحقق للأكل المظنون، فرمقت إليه الأحداق وامتدت إليه الأعناق، وترفقت على الصحون الرفاق فحينئذ تسمع للحناجر وجيبا، وللأسنان صلصلة وقشيبا، فأدبرت عساكر الجوع مهزومة، حين رأت فرسان الشبع مزمومة، فيالها من وقعة يذهب منها البؤس، وتطيب منها الخواطر والنفوس ومعركة ما بها من جريح ولا قتيل، ولا صياح ولا عويل، ثم جيء بالشنجال والحلاوات ألوان، وفواكه مختلفة ورمّان، فاستجرت رماح الأكل تارة، حتى وضع الحرب أو زاره، وردف بالأبلوج وملال، الصين، وصُبَّ عليه من ماء معين، فيالها من نعمة إن اعلتها السُّكّر، ويالها استدراجات إن من قرنها الكفر، وصلى الله على محمد عليه الصلاة

والسلام.

وقد صنع أبو محمد بن سعيد المذكور مقامات عدة على منوال مقامات الحريري، فمن هذه المقامة المسماة مقامة السُّونية، فقال: روى اليافث بن تمام، قال: أجدبت أرضنا ذات سنة، حتى منع الطوى من السنة، وأقوت من الأقوات الربوع و المرابع، فلذا تجافينا من الجفا عن المضاجع، وأمسكت السماء عن الرجع، والأرض عن الصدع، ولم يبق وسنان يغطّ، ولا بعين يأط، وطالما استسقينا، فلم نسق ديمه، فحينئذ أزمعت الترحال إلى سوني القديمة، فلم أزل أنجد وأغور، وأقطع الدمث والوعور، والصحاري والصخور إلى أن وافيت جنابها الرحيب، وروضها العشيب، وزهرها القشيب، فما لبث إلا لمحة، ناظر، أو كخطفة طائر، حتى رأيت الجماعة

44