الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ١٧٢الدعوة، فاتخذ قاضياً من أهل الخلاف، فلا أعلم من أي المذاهب، فهم أن يقلب المذهب، ويغيره إلى مذهبه، فسمع به أهل عمان فأرسلوا إلى ذلك الملك بعزله، فعزله، وأرسلوا له قاضياً من أهل الدعوة، فتعلم منه العلم أُناس من أهل الرستاق، وتمسكوا بمذهبهم زمان، وأكثر ملوك عمان أهل جور وفساد وظلم وعناد، وعضدهم على ذلك رؤساء القبائل والظلمة من البدو والأراذل، وساموا أهل عمان سوء العذاب، وساسوهم شر، مصاب وعموا بالظلم الكهول والشباب، وأكثروا فيهم القتل والضرب والإغتصاب والإذلال والأسر والإنتهاب، ثم أوقع الله بينهم العداوة والبغضاء، وهكذا طبع أهل عمان، وأرجوا أنه لا يزول عنهم، لهم الهمم العالية والنفوس الأبية، لا ينقادون لسلطان، ولا يقرون على هوان، ولا يستسلمون لغالب، ومع ذلك لا يتركون المطالب همة الضعيف منهم، كهمة الأمير من غيرهم، كل واحد منهم يريد أن يكون الأمر بيده، أو بيد من مال إليه بوده، والناس أتباع له، والآخر كذلك، وإن لم يكونوا أهلاً لذلك، إلا من شاء الله من أهل الورع والصلاح والعفة والفلاح، فإنهم لا تميل بهم الأهواء، ولا تأخذهم الحمية الجاهلية إلى أن صار الأمر منهم إلى الوحشة من بعضهم بعض، فتضادوا، وتحاربوا، وتناهبوا، وتسالبوا، ولم يقصر كل فريق منهم عن إساءة قدر عليها في خصمه، ولم يبق أحد من أهل المدر والوبر من البادية والحضر، ولو كان في شواهق الجبال، أو في أودية الرمال، إلا وقد تجرّع غصص المخاوف، وصار الدين والأموال والأنفس إلى أشد المتألف إلا من هون الله عليه المحنة، ونجاه من الفتنه ومن عليه بالعصمة، فلم يزالوا كذلك منهمكين في موبقات المهالك، سالكين شر المسالك، إلى أن من الله عليهم بظهور عبده الأرشد إمام المسلمين ناصر بن مرشد، وذلك أنه اختلفت أراء أهل الرستاق، ووقعت بينهم المحنة والشقاق، وسلطانهم يومئذ مالك بن أبي العرب، المقدم ذكره، فاستشار العلماء المسلمين أهل الاستقامة في الدين أن
169