الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ٢٤٦6
مكانات
الكاف، وأما ولده سيف هذا لقب قيد الأرض، لهيبته التي قيد بها بغاة عمان من البدو والحضر، فما سعى منهم أحد لسلب ولا لقتل، ونهب ولا هم لفساد. وبويع له بالإمامة أيام حروبه لأخيه بلعرب. وكان الإمام سيف هذا رجلاً مهيباً منصفاً في رعيته، راداً قويهم عن ضعيفهم، وهابته القبائل من عمان، وغيرها من الأمصار، وسائر الديار الدانية والشاسعة، وحارب النصارى في أقطارهم، وأخرج عتاتهم من ديارهم وابتزهم من قرارهم، ومزقهم بسيوف هيبته كل ممزق، وأخذ منهم ممباسة والجزيرة الخضراء وكلوه وبت وغيرها من البلدان الغاتية وسالمته نصاري ممباسة، وبنى بها قلعة شاهقة، وجعل فيها رجالاً من قبلة، يأخذون من النصارى كلّ سنة على ما اتفقوا عليه من الآداء والخراج وال والجزية، وعمر كثيرة من عمان، وأجرى فيها الأنهار، وغرس فيها النخيل والأشجار، وجمع مالاً جماً، وملك ماءً وعبيداً، يتعذر عددهم عن الحصر، وكان شديد الحرص على المال، فحكي عنه أنه وفدت عليه ذات يوم أعراب أكابر الشمال، فسألوه نوالا، وذكروا له إكرام أخيه بلعرب لهم أيام دولته، فقال لهم: أما أخي بلعرب، فهو يقال له أبا العرب، فلا غرو أن أعطاكم، وأما أنا فاسمي سيف، فليس يجود السيف إلا بالضرب، فسكتوا عنه، وخافوا، ومضوا عنه. وحكي أنه أمر أن تلقى في السحاماة مورة فلفل، لينظر من يمد إليها يده، فضلاً أن يأخذها، فبقيت على حالها، ملقاة على قارعة الطريق ثلاث سنين وكل من يمر عليها، فرّ رعبا ورهبا، ويقول: والله إنها الفتنة، نصبها الإمام إلى الأنام، فالويل كل الويل لمن يتعرض لها، حتى سمع بها رجل من الأعراب فركب ناقته لينظرها، فلما دنا منها نزل من ظهر ناقته، فبادرها، فأدخل إصبعه فيها، فخرقها، فلما كان منه ذلك، استولى عليه الخوف والندم، وخشي أن يخبر عنه الإمام أحد من الأعراب أو الحضر، فمضى هو إلى الإمام، وهو يومئذ ببلدة الرستاق، فأخبره عن صنيعه بتلك المورة الفلفلية، فقال له الإمام: أمدد لي أصبعك التي خرقت بها المورة، فلما مدّها إليه، قطعها بسكين كان معه، وقال: تأدب يا إعرابي، فإنك إن فعلت [870] بها ثانية كفعلتك الأولى، أمرت
243