الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٧٢وجوههم
ليقتلوه، وخرج صالح هارباً منهم، لجأ إلى بطن من ثمود يقال لهم بنو غنم، فنزل على سيدهم، وهو رجل منهم يقال له نفيل ويكنى بأبي هدب، فغيّبه ولم يقدروا عليه، فعدوا على أصحاب صالح يعذبونهم ليدلوهم عليه، فقال رجل من أصحاب صالح عليه السلام يا نبي الله إنهم يعذبونا لندلهم عليك، أفندلهم؟ قال: نعم، فدلهم عليه، فأتوا بأهدب فكلموه في ذلك، فقال: نعم عندي صالح، وليس لكم عليه سبيل، فأعرضوا عنه وتركوه، وشغلهم عنه ما نزل بهم من عذابه، فجعل بعضهم يخبر بعضاً بما يرون في فلما أمسوا صاحوا بأجمعهم: ألا قد مضي يوم من الأجل، فلما أصبحوا اليوم الثاني إذا وجوههم محمرة كأنما خضبت بالدماء، فصاحوا وضجوا وبكوا، وعرفوا أنه العذاب، فلما أصبحوا اليوم الثالث، إذا وجوههم مسودة كأنما طليت بالقار، فصاحوا بأجمعهم: ألا قد حضركم العذاب، فلما كانت ليلة الأحد خرج صالح من بين أظهرهم ومن أسلم معه إلى الشام فتولى رملة فلسطين، فلما أصبح القوم تكقنوا وتحنطوا، وألقوا بأنفسهم على الأرض يقلبون أبصارهم إلى السماء مرة وإلى الأرض مرة، لا يدرون من أين يأتيهم العذاب، فلما اشتد الضحى من يوم الأحد أتتهم صيحة من السماء فيها صوت كل صاعقة وصوت كلّ شيء له صوت في الأرض، فقطعت قلوبهم في صدورهم فلم يبق منهم صغير ولا كبير إلا هلك، كما قال الله تعالى: فأصبحوا في ديارهم جاثمين) (1) إلا جارية مقعدة يقال لها ذريعة بنت سلف، وكانت كافرة شديدة العداوة لصالح، فأطلق الله رجليها بعدما عاينت العذاب، فخرجت كأسرع ما يرى شيء قط حتى أتت فرخ وادي القرى، فأخبرتهم بما عاينته من العذاب وما أصاب ثمود، ثم استسقت من السماء، فسقيت، فلما سقيت ماتت (2). وذكر السدي في عقر الناقة وجاءها آخر قال: فأوحى الله إلى صالح عليه السّلام أن
(1) سورة الأعراف الآية.78
(2) الوارجلاني، أبي يعقوب يوسف بن ابراهيم: حاشية الترتيب ج 7 ص 326 - 327.
173