الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢١وفي تعميق هذا المفهوم يسير ابن رزيق مع ابن خلدون، مع استقلال منهج ومفهوم الرجلين، في تحقيق المبدأ التاريخي الذي جعل فيلسوف التاريخ المعاصر أرنولد توينبي الإنجليزي، يقول في حق ابن خلدون: يخطئ من يعتقد أن ابن خلدون أعظم مؤرخ قديماً فقط، إنه عندي أعظم مؤرخ قديماً وحديثاً. ومن هذه الشهادة يستحق ابن رزيق الكثير لموسوعته الثقافية و غزارة عطائه، وتحركه المثمر و المتميز بين الإلهام في الشعر و المقامات و النقد الأدبي. وهي من خصائص ابن خلدون كذلك، كما يدل على ذلك ما أنجز فيه من أعمال نقدية متميزة. ويكاد الرجلان يتفقان على توزيع الأدوار بين المواد الفكرية والإبداعية فقد وقف ابن خلدون مع أحداث بني هلال ومأساة (الجازية (الغرامية – في الجزء الثاني من (العبر) في حين سجل نصوص الشريف هاشم عاشق الجازية في المقدمة وهذا ما فعله تقريبا ابن رزيق في سرد سيرة امرئ القيس -مثلا- واستقلاله بتلك الوقفة مع شعره المصحوب بتلك الآراء النقدية الجيدة التي سنرى صورتها في أحد الكتب الموعود بها. كما أن ابن رزيق ميز بين بعض الأبواب المختصة بالقحطانية حين أفرد الباب السابع الأسماء شعرائهم في الجاهلية والإسلام. وأخيراً إذا كان التاريخ عند ابن خلدون ينصب على نتاج الإنسان كله في صحوته وجنونه وسحره وحروبه وإبداعه ودينه أي أن التاريخ يتحدد مفهومه باهتمام المؤرخ بكل ما يصدر عن الإنسان، وينسحب عليه، ويؤرخ له، فهذا ما فعله ابن رزيق، والصحيفة كلها شاهدة بقصصها، وخيالها، وحقائقها، ونصوصها التاريخية والدينية والحربية، والاقتصادية والأدبية وغيرها، إذ بهذا التكامل المعرفي يتجدد مفهوم التاريخ عند علامة عمان و العرب والمسلمين ابن زريق رحمه الله، وهو مفهوم ينعكس على أهم مؤلفاته خصوصاً - كما آثرنا سابقاً - صحيفته والفتح المبين، وعلى مضامين قصائده خصوصاً (سلك الفريد … ) وحتى نعمق من موضوعي المنهج والمفهوم في بناء الصحيفة القحطانية الواردين في الفصلين الخامس والسادس، نذكر
18