الصحيفة القحطانية حميد بن محمد العبيداني، الشهير بـ "ابن رزيق"

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢٢٣

عجائب الدهر لا تفنى أوابدها والمرءُ مَا عاش لا يخلو من العجب ما كُنتُ أحسبُ أنَّ الدهر يعمرها غير الأعاجم في الآفاق والعرب [102] وكنت أخبر بالجن الحفاة فلا أرَدُ أخبارهم إلا إلى الكَذِبِ حتى رأيت مقاصيرا مُشيَّدة للجن محفوفة الأبواب والحُجُب يحقها الزرع والماء المحيط بها مع المواقير من نخل ومن عنب ما بينها الخيلُ من طرف ومن تلدٍ والحور فيها من الأنعام والكسب وكل بيضاء تحكي الشمس صاحية هيفاء لفاء من موصوفة العرب قضي جمادى ويأتي بعده رجب وسوف أسري إلى الميعاد من رجب حتى أوافي خيار الجن من عَرَم أعني فتى الصعب والمعروف باليلب نبغي لديه الذي نادى ومن به من التواصل والإصهار والنسب (1) قال: فذكروا أن الهدهاد خرج إلى الميعاد إلى أصهاره من الجن في خاصة من قومه وخدمه، حتى وافاهم، فوجدوا قصوراً بناها له الجن في فلاة من الأرض، محفوفة بالنخل والأعناب وأنواع الزروع والفواكه، تخترقها المياه الجارية، فعجب القوم من ذلك عجباً شديداً، ورأوا ملكاً عظيماً، فنزلوا في القصر معه على فراش لم يرَوا مثله، وقربت له موائد عليها من طيبات المأكل وألوانه التي لم يأكلوا مثلها، ولا أطيب منها قط رائحة ولا أذكى رائحة، وسقوا من الشراب ما لم يشربوا قط ألد منه، ولا أهضم ولا أمراً ولا أخف منه، فمكثوا معه ثلاثة أيام بلياليها في ذلك، وَزَقت إلى الهدهاد امرأته الحرورى ابنة اليلب بن صعب العرمي ملك الجن، فأذن الهدهاد لبني عمه وخاصة عشيرته بالانصراف إلى مواضعهم، وصار ذلك القصر دار مملكته، قال: فذكروا أنه أقام زماناً مع الحرورى ابنة اليلب فولدت له بلقيس، فنشأت من أعقل امرأة سمع بها في ذلك الزمان، وأفضل رأياً وحكماً وتدبيراً وعلما، وكانت ذات

(1) انظر نص الأبيات في الحميري نشوان بن سعيد: ملوك حمير وأيقيال اليمن، ص 75 - 76.

224