الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٣٨ونظر إلى بلقيس وملكها، وما رجع إلى سليمان عليه السّلام إلا وقت العصر، فلما نزل سليمان عليه السلام ودخل عليه وقت الصلاة، وكان نزل على غير ماء، فسأل الإنس، والجن والشياطين عن الماء، فلم يعلموا، فتفقد الطير ففقد الهدهد، فدعا عريف الطير وهو النسر، فسأله عن الهدهد، فقال: أصلح الله الملك ما أدري أين هو وما أرسلته إلى مكان؟ فغضب عند ذلك سليمان عليه السلام، وقال: (لأعذبته عذاباً شديداً)) [113] الآية، ثم دعا العقاب سيّد الطير، فقال علي بالهدهد الساعة، فرفع العقاب نفسه دون السماء حتى التصق بالهواء، فنظر الدنيا كالقصعة بين يدي أحدكم، ثم التفت يميناً و شمالا، فإذا بالهدهد مقبلا من نحو اليمن، فانقض العقاب نحوه يريده، فلما رأى الهدهد ذلك علم أن العقاب يقصده بسوء، فناشده فقال: بحق الله تعالى الذي قواك وأقدرك علي، إلا رحمتني ولا تتعرض لي بسوء، قال: فولى عنه العقاب، وقال: ويلك ثكلتك أمك، إن نبي ا الله قد حلف أن يعذبك أو يذبحك، ثم طارا متوجهين نحو سليمان عليه السلام، فلما انتهى إلى العسكر تلقاه النسر والطير، فقالوا: له ويلك أين غبت في يومك هذا؟ فقد توعدك نبي الله وأخبره بما قال، فقال الهدهد: وهل استاء رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: بلى، قال أو (ليأتيني بسلطان مبين) (2) قال: فنجوتُ إذا، ثم انطلق العقاب والهدهد حتى أتيا سليمان وكان قاعداً على كرسيه فقال العقاب قد أتيتك به يا نبي الله فلما قرب الهدهد منه، رفع رأسه وأرخى ذنبه وجناحه يجرهما على الأرض متواضعاً لسليمان عليه السلام، فلما دنا منه أخذ سليمان برأسه، فمده إليه، وقال: أين كنت؟ لأعذبتك عذاباً شديداً، فقال: الهدهد يا نبي الله اذكر وقوفك بين يدي الله عز وجل، فلمّا سمع سليمان ذلك ارتعد وعفا عنه، ثم سأله فقال: ما الذي أبطأك عني؟ فقال الهدهد: ما أخبر الله عنه في قوله (فمكث غير بعيد قرأ عاصم ويعقوب: فمكث بفتح الكاف، وقرأ الآخرون بضمها، وهما لغتان غير بعيد أي غير طويل، فقال: (أحطت بما لم
(1) سورة النمل، الآية 21 - 26.
(2) سورة النمل الآية 21
239