الصحيفة القحطانية حميد بن محمد العبيداني، الشهير بـ "ابن رزيق"

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢٥٩

من أمر ببنائها فسُمِّيَت به وكتب على بابها كتاباً بالحميرية في صخرة مبني عليها في سورها: هذا ملك العرب شمر يرعش الملك الأشم، فمن بلغ هذا المكان فهو مثلي، ومن جاوزه فهو أفضل مني، وقيل: إن سبب خروج شمر من اليمن إلى المشرق أنَّ ملكاً من ملوك بابل يقال له كيقاوس بن كنينة تجبّر وبنى صرحاً يريد فيه الرمي إلى السماء كما فعل فرعون وهامان فنهض إليه شمر بجنوده فحاربه فظفر به، وأقبل به إلى اليمن أسيراً، فسجنه في بئر بمأرب، ثم قيل: إن سعدى بنت شمر سمعت قيقاوس يجار في تلك البئر، فسمعته فرحمته، فلم تزل تشفع به لدى أبيها حتى أطلقه من السجن، وولاه على بلاده، وردّه إليها على خراج يؤديه إليه في كل سنة (1). وقيل في رواية أخرى أن شمر لما افتتح سمرقند هدمها، ثم أمر ببنائها، ثم توجه إلى الصين فخافت خوفاً شديداً، وعلم أهلها أنه لا طاقة لهم به، فجمع ملك الصين وزراءه فقال: قد أقبل هذا العربي ولا طاقة لنا به، فماذا ترون؟ فأتى كل واحدٍ

فاستشارهم، منهم برأي، وبقي واحد منهم لم يتكلم، فقال: ما تقول؟ فقال: أرى أن تظهر علي الغضب وتجدع أنفي، وتأخذ دوري وضياعي وأملاكي وعبيدي، حتى يعلم الناس بذلك، فكره ذلك ملك الصين، فعظم حال ذلك الوزير عنده، فلم يعذره ذلك الوزير حتى فعل به ما أشار به عليه، وخرج ذلك الوزير من الصين حتى انتهى إلى شمّر يرعش، فأراه جدع أنفه وشكا إليه ما فعل به ملك الصين وأظهر لشمّر عين النصيحة، فجعله شمر من خاصته، ثم احتاج شمر يرعش إلى دليل يدله على الطريق إلى الصين في المفازة العظيمة التي دونه، فقال وزير ملك الصين: أنا الدليل ولا تجد أيها الملك من يعرف هذه المفازة ويعرف الطريق فيها مثلي، قال: فنهض شمر يرعش بجنوده يتبعون ذلك الوزير، فسار بهم على غير الطريق، حتى بعدوا بعداً شديداً عن الماء، وأشرفوا على الهلاك وأيقنوا به، ولم يجدوا ماء، فقال شمر يرعش: أين الماء؟ فقال

(1) الحميري نشوان بن سعيد ملوك حمير وأقيال اليمن، ص 93 - 94.

260