الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٩٨في الأرض مثله وكان أجمع الناس للخصال المحمودة ومن كمال عقله أنه لم يحضر في فتنة قط وكان أكثر وصاياه لأولاده بلزوم الطاعة، ولم يطعن عليه فيُسب ولا يشايب أحداً في شيبته، ولم يسب أحدا في كهولته إلا مرة واحدة، قال لخالد بن ورقاء يا بن اللخناء، هكذا حكي عن الجاحظ (1) فإذا كان الجاحظ على معرفته وكثرة علمه لم يحسب له إلا هذه السقطة على كثرة ولايته للرجال، وعُلو أمره ونفوذ رأيه (2).
والمهلب هو الذي احتاج الناس إلى عزمه وشجاعته مع كثرة رجالات العرب في وقته، [إذ عجزوا عن موضعه وذلك في وقت قيام الشراة في فتنة ابن الزبير وأنه لم يول عليهم السلطان وعبد الملك بن مروان فبلغت قطري بن الفجاءة وأصحابه وجميع الخوارج على بلاد فارس فالروم والأهواز، حتى وصلوا إلى سواد البصرة ووقفوا على الجسر الصغير، وهزموا أهل البصرة قبل ذلك بثلاثين هزيمة، وألقوا بأيديهم فكان أهل البصرة على حالتين: أما أهل القوة فتحملوا بنسائهم وذراريهم إلى البوادي، وأما أهل الضعف فوطنوا أنفسهم على القتل وسبي الدراري، وكانت الأزارقة ترى السبي والقتل (3). ثم اجتمع رأي جميع أهل البصرة أنه لا يخلصهم مما وقعوا فيه إلا
(1) الجاحظ (163 - (255 هـ عمرو بن بحر بن محبوب الكناني بالولاء، الليثي، أبو عثمان، الشهير بالجاحظ، كبير أئمة الأدب، ورئيس الفرقة الجاحظية من المعتزلة، مولده ووفاته في البصرة. فلج في آخر عمره، وكان مشوّه الخلقة. مات والكتاب على صدره، قتلته مجلدات من الكتب وقعت عليه. له تصانيف كثيرة منها " الحيوان" في أربعة مجلدات، و" البيان والتبيين" و " التاج" ويسمى أخلاق الملوك، و" البخلاء" و" المحاسن والأضداد".
أنظر الحموي، ياقوت بن عبد الله: معجم الأدباء، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى 1991 م، ج 4، ص 473 - 474 ـ 475. (2) العوتبي سلمة بن مسلم الأنساب، ج 2، ص 129 - 130. (3) العوتبي، سلمة بن مسلم: الأنساب، ج 2، ص 130
6
95